رأينا فيما سبق أن بيعة العقبة الثانية، وهي بيعة الأنصار، جاءت في فترة كانت الدعوة بحاجة إلى من يعطيها دفعة إلى الأمام والخروج بها من مرحلة الجمود والحصار إلى مرحلة الانطلاق والانتشار، وقد فتحت هذه البيعة آفاقًا أكبر وأوسع للدعوة، ونقلت الجماعة المسلمة إلى مرحلة الدولة بعدما كانت في مرحلة الدعوة، فلو شاء الله سبحانه وتعالى لأنفذ أمره وقدره دون الحاجة إلى أحد، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولُ لَهُ كُنْ، فَيَكُونْ} ، لكنه - سبحانه - يريد من خلقه أن يكونوا أداة لتحقيق هذا القدر، فكانت هذه البيعة جزءًا من هذه السنة، وكان الأنصار جنودًا وأداة لتحقيق وعد الله وقدره {هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} .
وقد سُميت ببيعة القتال، لما تحتويه من بنود قوية تحتِّم على عاقديها الالتزام بها، وتَحَمّل تبعاتها، تصل إلى حد الدخول في حرب للدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كانت هذه البيعة نموذجًا يُحتذى بها إلى يوم القيامة - كما هو شأن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومواقفه كلها - وقد سميناها"بيعة العقبة الثالثة"، تعبيرًا منا على أنها بيعة ينبغي أن تتكرر في كل زمان ومكان، حيثما وُجدت طائفة أو جماعة تتبنى وتسير على نهج النبي صلى الله عليه وسلم، وبخاصة حينما تكون في مرحلة المخاض والحصار والتمحيص.
فالمسلم دائمًا بحاجة إلى تجديد بيعته وانتمائه لهذا الدين حتى يجدد عهده مع ربه، ويكون دومًا على أهبة الاستعداد لتحمل تبعات هذا الانتماء، وحمل الأمانة كما يحب الله ويرضى. لا أن يكون عبئًا ثقيلًا يضر أكثر مما ينفع، فالمؤمن يجب أن يكون جسرًا لكي يعبر عليه الإسلام إلى قلوب العالمين، ولا يجعل الإسلام جسرًا يعبر عليه لتحقيق مصالحه.
فبعد السمع والطاعة في النشاط والكسل، ننتقل إلى البند الثاني في هذه البيعة المتجددة وهو:
النفقة في العسر واليسر
ينبغي علينا أن ننظر إلى مفهوم النفقة بشموليته، فهو لا يتعلق فقط بالمال،- كما قد يتبادر إلى الأذهان-، بل لابد من إنفاق كل ما يملك المسلم في سبيل الله، أو بالتعبير القرآن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] .