الصفحة 9 من 32

فالنفقة تنجي صاحبها من التهلكة بدليل قوله تعالى {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}

روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، عن أسلم أبي عمران، قال حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبو أيوب الأنصاري فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببًا فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد [1] .

أقول: انظروا كيف ذمَّ الله تعالى أناسًا قد أقاموا دولة الإسلام بأموالهم ودمائهم، فآثروا القعود مع الأهل والمال، وظنوا أن هذا هو الواجب، فماذا نقول في أمتنا التي بخلت على دينها في وقت تكالبت عليها الأعداء، وغابت فيها شرائع الإسلام وحلَّ محلها الكفر والردة والنفاق؟

فالإسلام بحاجة إلى النفقة في كل حين، ففي مرحلة الدعوة مثلًا يتحتم على الدعاة أن ينفقوا أوقاتهم ويكونوا وقفًا لله تعالى للقيام بمهام الدعوة وما يرافقها، ولابد أن يكون همُّ الدعوة في مقدمة اهتمامات الداعية، لابد أن تملأ عليه فكره وجوارحه، فلا يحس بالراحة إلا وهو في ميادين الدعوة، يبحث عن أنصار جدد لنصرة دعوته وإكثار سواد جماعة الحق، أو تراه موشحًا سلاح الحجة والبيان لمحاربة البدع والمذاهب الهدامة التي عجَّت بها الساحة وأصبحت تثبط الناس وتبعدهم عن دينهم وتقذفهم في مهاوي الضلال واللامبالاة.

هكذا هو الداعية تجده في كل مرفق من مرافق الدعوة، كالغيث أينما وقع نفع، بل تراه سباقًا إلى عمل الخير والتنافس فيه، يعمل في السر والعلن، لا يرائي الناس وفي الوقت نفسه لا يترك مجالات الدعوة للمفسدين ودعاة الضلالة والبدعة.

والوقت الذي يبارك فيه الله تبارك وتعالى هو وقت الشدة والضيق، فهو لا يعطي للدعوة فراغ وقته وفتاته، بل يجود بأغلى أوقاته، فحينما تلتقي لديه مصلحة شخصية ومصلحة الدعوة فإنه لا يتردد في إلغاء أو إرجاء مصالحه ويقدِّم مصالح الدعوة، ويصبح هذا

(1) رواه أبو داود والترمذي والنسائي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت