إن شاء الله، حيث سُميت هذه البيعة ببيعة القتال مقارنة مع بيعة العقبة الأولى التي سميت ببيعة النساء التي لم يكن فيها ذكر للقتال ولا للتدافع.
والناظر إلى واقع المسلمين اليوم وبخاصة واقع مجاهديهم ودعاتهم، يجد أن التاريخ يعيد نفسه، حيث أن الظروف مماثلة والصورتين متطابقتان إلى أبعد حد، فأهل الحق محاربون من قبل قوى الكفر مجتمعة بمساعدة جيوب النفاق والردة وهو ما لم يكن موجودًا في المرحلة المكية، والدعوة أصبحت غريبة في البيئة التي من المفروض أن تؤويها وتنصرها، والقاعدة الصلبة التي تحمل منهج الدعوة والجهاد قليلة العدد وبحاجة إلى أنصار وأعوان يحملون معها جزءًا من عبء هذا الدين الثقيل كما نبّأ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند حديثه عن هذه الطائفة في قوله وهو يخاطب أصحابه:"ستجدون على الحق أعوانًا ولا يجدون على الحق أعوانًا".
فلا يسعنا - والحالة هذه - سوى الوقوف بكل إخلاص وتمعن أمام هذه البيعة التاريخية الخالدة، نستقي منها ما يلزمنا من دروس وعبر، ونجعلها نبراسًا لنا على الطريق- وهذا ما ينبغي أن يكون - في كل مرحلة من مراحل الصراع مع الباطل ومع كل محطة من محطات السيرة النبوية العطرة.
سنقف عند بنود هذه البيعة ونسلط عليها الأضواء ونربطها بواقع الطوائف المجاهدة، دون التطرق إلى المشاهد الأخرى المرافقة لهذه البيعة سوى ما نعتقد أن له علاقة وطيدة ومباشرة بحركية هذا الدين في مواجهة ما واجهه الرعيل الأول بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم.
الطاعة والانضباط
أخرج أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتَّبع الناس في منازلهم: عكاظ ومَجنّة، وفي المواسم يقول:"من يُؤويني؟ من ينصُرني؟ حتى أبلِّغ رسالة ربي وله الجنّة"، فلا يجد أحدًا يُؤْويه ولا ينصره، حتى أن الرجل ليَخرُج من اليمن أو من مُضر فيأتيه قومه وذوو رَحِمِه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمضي بين رحالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدّقناه، فيخرج الرجل منّا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبق دارُُ من دور الأنصار إلا وفيها رهطُُ من المسلمين يُظهرون الإسلام.