ثم ائتمروا جميعًا، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويُطرد في جبال مكة ويخاف؟! فرحل إليه سبعون رجلًا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شِعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنَّفقة في العُسْرِ وَالْيُسْرِ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم، وأبناءكم، ولكم الجنة" [1] ."
قبل الحديث عن هذه البنود، أود أن أسجل الملاحظات التالية:
-إن الداعية إلى الله تعالى لابد أن يستنزف كل طاقته وجهده في تبليغ الدعوة، ويلجأ إلى كل الوسائل والأساليب الشرعية الممكنة للوصول إلى قلوب الناس، ولا ينبغي أن يصاب بالملل أو اليأس أو أي نوع من الإحباط، وهو مع هذا يدعو ربه أن يوفقه لإيجاد سبل جديدة لتبليغ دعوته، وأن يهدي الناس إلى ما يدعوهم إليه.
-إن الداعية لا يُطمع الناس في مغانم دنيوية، ولا يربطهم بأهداف مادية زائلة، في مقابل الاستجابة لدعوته أو مجرد إيوائه ونصرته، بل يربطهم بربهم وحده، ويعدهم بالجزاء الأخروي فقط:"وله الجنة".
-إن تكذيب الناس له والاستهزاء به وعدائهم له ولدعوته لا يفت من عضد الداعية شيئًا ولا يوهن من عزيمته في مواصلة مسيرته.
-إن نصر الله وفتحه على الدعاة لا يأتي إلا بعد أن يقدم هؤلاء كل ما في جعبتهم من جهد بشري ومن أسباب مادية في سبيل إنجاح دعوتهم.
السمع والطاعة في النشاط والكسل
وهي من أهم السمات الرئيسية لكل تجمع إيماني منظم، فالقيادة أو الإمارة لا معنى لها ولا قيمة ما لم يتوفر عنصر الطاعة لدى الجنود، والطاعة المطلوبة هي الطاعة في المنشط والمكره، في السراء والضراء، في العسر واليسر، وإلا فهي طاعة ناقصة لن تؤتي أكلها وثمارها المرجوة.
(1) وقد رواه أحمد أيضًا والبيهقي من غير هذا الطريق أيضًا، وهذا إسناد جيّد على شرط مسلم