الصفحة 14 من 32

نواصل وقفاتنا التربوية مع أحد أهم الأحداث التي غيرت مجرى التاريخ البشري على الإطلاق، ألا وهي بيعة العقبة الكبرى أو كما سميناها"بيعة العقبة الثالثة"نظرًا لتجددها وفرض نفسها على كل مؤمن يبتغي نصرة هذا الدين، حتى وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم غائبًا عنا بجسده، فمعجزة هذا الدين وتأثيره العجيب في النفوس يكمن في هذه النقطة بالذات، فغياب القيادات والرموز - حتى وإن كان في مستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم - لا يؤثر في مسار هذا الدين، ولا يكون سببًا في توقفه أو انحصاره أو زواله، وهذا ما يحيِّر عقول الأعداء قبل الأصدقاء، ويقذف في قلوب المؤمنين الأمل والصدق في العمل لإنجاز وعود الله تعالى في واقع الناس.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

بعد حديثنا عن البندين الأولين وهما السمع والطاعة في النشاط والكسل ثم النفقة في العسر واليسر، نقف اليوم مع بند جديد وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولا غرابة أن يأتي هذا البند مباشرة بعد السمع والطاعة وبعد النفقة، كأول عمل خارجي يزاوله المؤمن في الواقع الفعلي، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشتمل على الدعوة وعلى الجهاد، فهو جامع لكثير من الأعمال التي ينبغي مزاولتها لنصرة هذا الدين.

ولا غرابة كذلك أن يتوافق مع قوله تعالى، وهو يذكر أهم سمات الأمة المختارة {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} ، وهي الصفة التي ذُكر بها الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} .

كما أن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي السبب في انتزاع صفة القيادة من بني إسرائيل وتم استبدالهم بأمة الإسلام، وذلك بعدما تركوا هذه الفريضة ولم يقوموا بها كما أُمروا {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ} ، والنصوص متواترة في هذا الباب ليست المناسبة مقام ذكرها. فالذي ينبغي أن نعلمه ونعيه هو أن هذه الفريضة تعتبر من أهم الواجبات في ديننا التي تترجم إيمان واعتقاد المرء، حيث أنها تعتبر عبادة جامعة للكثير من الفرائض والواجبات، وهي من جهة أخرى مقياس ودليل على صدق التزامنا بمبادئ هذا الدين، حيث لا يكفي أن يدّعي المرء الإيمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت