الصفحة 8 من 12

لا خلاف بين أهل العلم في أن كل دم أو مال أصابه أهل العدل من أهل البغي موضوع ولا ضمان عليهم فيما استهلكوه.

وإذا أصاب أهل البغي من أهل العدل شيئًا من ذلك اختلفوا فيه فإن كان ذلك حال الحرب فرأي الحنابلة وأبي حنيفة والشافعية في أحد قوليهم أن لا يضمنون وأن كل ما أتلفوه من نفس أو مال حال القتال والحرب موضوع.

وذلك مما روى ابن قدامة في المغني، والكاساني في البدائع عن الزهري أنه قال: (وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فاتفقوا أن كل دم استحل بتأويل القرآن فهو موضوع وكل مال استحل بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل فرج استحل بتأويل القرآن فهو موضوع، قال الكاساني: ومثله لا يكذب - أي الزهري - فانعقد الإجماع من الصحابة رضي الله عنهم وأنه حجة قاطعة، والمعنى في المسألة ما نبه عليه الصحابة رضوان الله عليهم وهو أن لهم في الاستحلال تأويلًا في الجملة وإن كان فاسدًا لكن لهم منعة والتأويل الفاسد عند قيام المنعة يكفي لرفع الضمان كتأويل أهل الحرب) [16] .

وقال السرخسي: (وإذا تاب أهل البغي ودخلوا إلى أهل العدل لم يؤخذوا بشيء مما أصابوا يعني بضمان ما أتلفوا من النفوس والأموال) [17] .

وقال ابن قدامة: (ولأنها طائفة ممتنعة بالحرب بتأويل سائغ فلم تضمن ما أتلفت على الأخرى كأهل العدل، ولأن تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة فلا يشرع كتضمين أهل الحرب) [18] .

وأما ما أتلفه أهل البغي في غير الحرب قبلها أو بعدها أعني قبل الخروج وظهور المنعة أو بعد الانهزام وتفرق الجمع فإنهم يضمنون ويؤخذون بكل ما أحدثوه، وهذا مذهب الحنابلة والأحناف وبهذا قال الشافعي، ولهذا لما فعل الخوارج ما فعلوا من قتل عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقر بطن سريته وهي حبلى وإخراج ما في بطنها بعث إليهم أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه أن أقيدونا بعبد الله بن خباب، قالوا كلنا قتله، فاستحل بذلك رضي الله عنه قتالهم.

[16] بدائع الصنائع، ج7/ 209.

[17] المبسوط، ج10/ 127.

[18] المغني، ج8/ 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت