الصفحة 25 من 63

قلتُ: كفرتَ بالله [1] ، فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم: إن هذا رسول أمير المؤمنين. فقلتُ: إن هذا قد كفر. اهـ [مقدمة مسند الإمام أحمد لأبي صُهيب الكرمي ص 459، وانظر حلية الأولياء 6/ 329] .

وكذلك وقع للإمام عبد العزيز الكناني رحمه الله، فقد ذكر في كتابه الحيدة كيف جرت المناظرة بينه وبين علماء السلطان وهو في سجنه، ولقد قالوا له قبل المناظرة:"وليس وراءك بعد الحجة عليك إلا السيف، فانظر لنفسك، وبادر أمرك قبل أن تقع المناظرة، وتظهر عليك الحجة، فلا تنفعك الندامة، ولا تقبل لك معذرة، ولا تقال لك عثرة ..".اهـ [الحيدة ص10] .

وهكذا العاجز عن المحاجة في كل زمان ومكان، ينحاز إلى سوط السلطان قبل صوت البيان!

ما عندهم عند التناظر حجة *** أنى بها لموظف حيرانِ

لا يفزعون إلى الدليل وإنما *** في العجز مفزعهم إلى السلطانِ

بل إن أهل العلم قد ذموا هذا النوع من الحوار حتى مع أهل البدع والأهواء، وأهل الضلال الأشقياء!

فهذا الشيخ محمد أبو زهرة لما ذكر المناظرة التي جرت بين الإمام الأوزاعي وغيلان القدري، وقد كان غيلان في قبضة السلطان [2] ، قال تعليقًا عليها:"وإن هذه المناظرة إذا صحت -ولا مانع عندنا من قبولها- ليست مناظرة تساوى الطرفان فيها، بل كان أحدهما حرًا طليقًا في إلقاء الأسئلة، والآخر ليس له إلا أن يجيب من غير استفسار، فإما الإجابة وإما السيف. ويظهر من سياق القول أن الحكم بالإعدام قد سبقها، فكانت تبريرًا للإعدام أمام الناس، ولم تكن سببه وباعثه. ومثله كمثل من يحكم ثم يسمع الشهادة لأجل تنفيذ الحكم. لا لأجل إصدار الحكم، ثم إن الأسئلة كلها كانت تتجه نحو غاية واحدة تبلغ من الإبهام حد الإلغاز، حتى أن هشامًا لم يفهم السؤال في الأصل، ولو كان يريد الحق لاستفسر عن المعنى قبل أن يقتل، فكانت أشبه بالأحاجي منها بالأسئلة، ولم تكن إذن"

(1) وفي حلية الأولياء قال الإمام أحمد له: فقلت له: يا كافر، كفرت. اهـ [حلية الأولياء 6/ 329]

(2) انظر:"العقد الفريد"، و"سرح العيون"، و"محاسن المساعي في مناقب الأوزاعي"..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت