وعن محمد بن سعد بن أبي وقاص، أنه سمع قومًا يتكلمون بالفارسية فقال: (ما بال المجوسية بعد الحنيفية؟!) [انظر هذه الآثار في كتاب"اقتضاء الصراط المستقيم"، لابن تيمية] .
فإذا كان مجرد التكلم بالفارسية - لغير ضرورة - هو من باب إحياء المجوسية بعد ظهور دين التوحيد، فكيف بالذي يستخدم لغة الأعاجم وشاراتهم في مسائل هامة لها مساس في العقيدة والتوحيد والأصول!
ذكر ابن تيمية في"الاقتضاء"حديثًا عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية، فإنه يورث النفاق) .
قال ابن تيمية في"الاقتضاء": (فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون في الأدعية التي في الصلاة والذكر، أن يُدعى الله أو يذكر بغير العربية، وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، فلا ريب أن هذا مكروه فإنه من التشبه بالأعاجم واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرًا قويًا بينًا، ويؤثر في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق) اهـ
أقول: لأجل هذه الأوجه الآنفة الذكر - وواحد منها يكفي - لا يجوز للمسلم شرعًا أن يستخدم كلمة الديمقراطية في حديثه بصيغة المدح أو الاستشهاد بها على مقصد من مقاصد الدين، وقول المرء أنه يستخدمها كمصطلح لتعارف الناس على استخدامه؛ لا يسوغ ولا يبرر له بحال استخدامها للمزالق والمحاذير المتقدمة الذكر.
والله تعالى أعلم [7] .
[1] قُلْتُ: سُبْحان الله أيّ تدوالٍ سلمي هذا الذي تتكلمون عنه وتبغونه؟!
أليس هو ذاته الذي أراده الكفّار مِنْ محمد صلى الله عليه وسلم فأجابهم بتلك الكلمات العظيمة: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الدين ما تركته حتّى يُظْهِرَهُ الله أو أهلك دونه) ، أأنتم أهدى أم محمد صلى الله عليه وسلم؟! أخبرونا لماذا رفض محمد صلى الله عليه وسلم الحُكم وهو نبيٌ لا ينطق عن الهوى؟! ولماذا ترضوه أنتم؟!
أهو دينٌ ندين الله به في واقع الحياة أم هي كلماتٌ نُطلِقُ لها العنان من خلف المنصّات وفوق المنابر فحسب؟!
ألا تقرؤون قول الله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لكُم ديْنُكُم ولي ديْن} [سورة الكافرون] .
[2] من الضروري هنا التأكيد على مسألة تعد من أبجديات الدين وهي أنّ التوحيد أعظم المصالح وأنَّ الشرك بالله هو أعظم المفاسد، ولذا لا يصح بحال أن يُجْمَعَ بين الكُفْر والمصلحة، أي مهما لاقى الإنسان من مصاعب وأهوال فلا يصح له أن يأتي بالكُفْر لدفع تلك المصاعب ولا يُسْتثنى من ذلك إلا المُكْره كما قال تعالى: {إلاَّ من أُكْرِهَ وقلبه مطمئنٌ بالإيمان} :(وقد ذكر العلماء شروطًا لصحة الإكراه منها:
1/ أن يكون المكره - بكسر الراء - قادرًا على إيقاع ما يُهدد به، والمأمور المكرهَ عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار ...
2/ أن يغلب على ظنّه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.
3/ أن يكون ما هُدّد به فوريًا، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتك غدًا، لا يعد مكرهًا.
4/ أن لا يظهر من المأمور ما يدل على تماديه بأن يعمل زيادة على ما يمكن أن يزول به عنه البلاء.
كما فرّقوا فيما يُهدّد به المكره ويُخوّف بين الإكراه على المعاصي، وبين الإكراه على قول كلمة الكفر أو موالاة الكفار وأمثاله، فلم يُجوّزوا الثاني إلا لمن عُذّب عذابًا لا طاقة له به، وذكروا القتل والتحريق بالنار وقطع الأعضاء والتخليد في السجن وأمثال ذلك، وعمار رضي الله عنه هو الذي نزلت بسببه آيات التقية، ومعروف أنه لم يقل ما قال إلا بعدما رأى مقتل أمه وأبيه، وبعدما ذاق من العذاب ألوانًا، فكسرت ضلوعه وأوذي في الله أذىً شديدًا ... وأكثر هؤلاء المتعذّرين بالتقية ممن أوضعوا في الفتنة وغرقوا في الباطل والشرك لم ينلهم عشر معشار ما ناله ... ولكن مَنْ يُرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا ...
أضف إلى هذا أن أهل العلم يذكرون مع ذلك في أبواب الإكراه على كلمة الكفر؛ أن الأخذ بالعزيمة والصبر على الأذى واحتساب الأجر عند الله تعالى أعظم وأفضل، وهذه مواقف الصحابة وتابعيهم والأئمة شاهدة بذلك فبأمثال هذه المواقف يكون إظهار الدين وإعزازه، وانظر صحيح البخاري، باب؛"من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر"، والشواهد في ذلك كثيرة وكذا مواقف الأئمة أكثر من أن تحصى كموقف الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن وغيرها كثير ...
ويذكرون قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} .
كما يذكرون أن التخيير ينافي الإكراه وذلك كحال شعيب عليه السلام مع قومه إذ خيّروه بين العودة إلى الكفر أو الخروج من قريتهم، ولم يجوّزوا لذلك الاستجابة وإظهار الكفر في هذه الحالة، وإنما سردنا هذا كله ليعلم من وهبه الله نعمة العقل والتوحيد غربة هذا الدين في زماننا وغربة دعاته وأهله الذين يعرفونه حق المعرفة ... وأن أكثر الناس اليوم قد دخلوا في دين الحكومات ودين الطواغيت مختارين بلا إكراه حقيقي، وإنما استحبابًا للحياة الدنيا ومساكنها وأموالها ومتاعها ومناصبها على دين الله، وبذلوه وباعوه بأبخس الأثمان، فإياك أن تكون منهم فتصبح من النادمين ... ) [عن كتاب"ملة غبراهيم"للشيخ أبي محمد المقدسي، ص67 - 68] .
وأما قولهم إنّ غياب أهل السنّة عن المشاركة في الانتخابات هو ضرر أكبر.
فنقول لهم: لا والله، بل هو بحمد الله مصلحة عظمى تتمثل في الالتزام بتوحيد الله من خلال رفض التحاكم الى غير شرع الله تعالى، ثمّ لماذا الإصرار على أنّ المشاركة في الانتخابات هي الطريق لتشكيل لمستقبل العراق السياسي ألم يحدد الله تعالى لهذه الأمة كيف ترسم المستقبل المشرق لنفسها.
[3] تم اقتباس هذه الكلمات من كتاب"حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية"، لمؤلفه عبد المنعم مصطفى الطرطوسي ببعض الاختصار.
[4] محمد قطب، مذاهب فكرية معاصرة، ص 178.
[5] المشرعون الحقيقيون في النظام الديمقراطي الحر هم أصحاب النفوذ ورؤوس الأموال، بِحُكْمِ ما لهم من نفوذ واسع يمكنهم من دخول مجالس التشريع أو إيصال من يريدونه أن يصل، ومن ثم تأتي التشريعات والقوانين لصالحهم ولحماية مصالحهم من دون بقية فئات الشعب.
[6] مثال ذلك عندما كتب الزنديق المرتد سلمان رشدي روايته المعروفة بآيات شيطانية التي تطاول فيها على الذات الإلهية وكتبه ورسله، ونال من جناب سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وعندما أنكر عليه المسلمون كفره وزندقته هذه، قال الديمقراطيون في الغرب؛ حرية التعبير - أيًا كان نوع هذا التعبير - من الديمقراطية، والنيل من سلمان رشدي هو نيل من الديمقراطية ذاتها، والأنظمة التي تتبنى الديمقراطية!
ومن الفوارق الملفتة للنظر أن دولة الروافض - التي يقوم دينها على شتم الصحابة وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم - كانت قد أهدرت دم المذكور سلمان، وخصصت لأجل ذلك المكافآت، ثم هاهم - الآيات - بعد زمن ليس ببعيد يعودون عن موقفهم، ويعلنون على الملأ تراجعهم عن حكمهم السابق في الزنديق المذكور وعفوهم عنه، وكأن حق الأنبياء ألعوبة بين أيديهم؛ مرة يعفون عن حق هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لا بد فيه من القصاص، ومرة لا يعفون بحسب ما تقتضيه سياسة الصفقات والمصالح والمكاسب!
ونحن من قبل قلنا: إن هذا الموقف من إيران هو من باب كسب الرأي العام، وتصدير الثورة وأفكارها بين العوام والجهلة ممن لا يعرفون حقيقة أمرهم، وليس من باب الغضب لحرمات الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ... فما خاب ظننا فيهم!
[7] الى هنا انتهى نقلنا عن الكتاب المذكور، ببعض التصرف.