الصفحة 2 من 7

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه أخي القارىء بعض المحاذير الشرعية التي وقع فيها"الحزب الإسلامي العراقي"منذ ظهوره بعد احتلال العراق وسقوط النظام البعثي، حتّى تاريخ كتابة هذه الكلمات ...

الفصل الأول؛ إقرار التعدّدية السياسيّة والتداول السلمي للسلطة وتبنّي العمل بالديمقراطية:

فقد أعلن الحزب من أول يومٍ عاد للظهور فيه؛ عن تَبَنّيه للعمل الديمقراطي وإقرار التعدّدية السياسيّة والتداول السلمي للسلطة.

فقد جاء في الفقرة السابعة من أوّل بيانٍ صدر عن هذا الحزب [في 19/صفر/1424 هـ، الموافق 20/نيسان/2002م] في سياق تعداد أهداف هذا الحزب ما يأتي: (إقامة الحياة السياسية على مبادىء الحريّة المنضبطة على الصدق والصراحة والتعددية في إطار العمل المشترك والتداول السلمي للسلطة لتحقيق المصالح الحقيقية لأمتنا وحقّها في الأختيار الحر لممثليها في المجالس البلدية والنيابية ومؤسسات الدولة الأخرى) [1] .

وجاء في الفقرة الرابعة والخامسة من بيان (22) "بخصوص تشكيل الحكومة الجديدة الانتقالية"، الصادر عن المكتب السياسي للحزب في بغداد، يوم الأحد [18/ربيع الثاني/1425 هـ، 6/ 6/2004م] ما يأتي:

(4/ يطالب"الحزب الإسلامي العراقي"الحكومة الانتقالية الجديدة بالعمل من اجل إنهاء الاحتلال، وترسيخ قواعد العملية الديمقراطية، من خلال التمهيد بشكل صحيح لإجراء الانتخابات، ومعالجة الوضع الأمني المتردي، والقضاء على البطالة، وتحسين الأوضاع المعيشية.

5/ ومع هذا؛ فإننا قررنا المشاركة، على أساس إن غيابنا هو ضرر اكبر [2] ، متمثل بغياب دور السنة العرب عن المشاركة في تشكيل مستقبل العراق السياسي في هذه المرحلة الحرجة ... ).

وجاء في البيان [23] "بخصوص تشكيل الحكومة الجديدة الانتقالية"، الصادر عن المكتب السياسي للحزب في [8/ 6/2004] : (وأخيرًا فانه يقع على عاتق الحكومة الجديدة؛ أن تُمَكِّنَ العراق من الانتقال الى الضفة الأخرى، من خلال تهيئة الأمور لإجراء انتخابات حرة نزيهة، وبشفافية عالية، يتمكن من خلالها العراقيون من اختيار ممثليهم الحقيقيين) .

وجاء في بيان رقم (56) "بشأن موقف الحزب من الإنتخابات"الصادر، في [16/ذي القعدة/1425 هـ، 27/كانون أول/2004م] :(ومن هذا المنطلق؛ كان الحزب سباقًا مع الحركات والأحزاب السياسية الأخرى في تبني ونشر ثقافة التنافس السياسي من خلال صناديق الإقتراع، حتى غدت العملية الإنتخابية أصلًا في مشروعه السياسي، لأنها في تصوره الوسيلة الراجحة لتحقيق الأماني الوطنية المشروعة في التحرر والبناء.

وكان الحزب يتطلع مخلصًا للمشاركة الفاعلة في الإنتخابات المزمع إجراؤها في كانون الثاني من العام المقبل، لولا ظروف قاهرة برزت على السطح، قوضت كل الآمال في إنتخابات حرة نزيهة وشاملة، مما دفع الحزب للمطالبة بتأجيلها إلى وقت آخر).

وجاء في مقال تم نشره على الموقع الرسمي للحزب على الإنترنت تحت عنوان"ما الفرق بين الانسحاب والمقاطعة"، جاء فيه ما يلي: (قد يسأل سائل ما الفرق بين الانسحاب والمقاطعة؟ ونقول؛ ان المقاطعة تعني عدم الاقتناع بأصل الفكرة -وهي فكرة الانتخابات - وعدم صلاحيتها، ولكننا كحزب؛ نؤمن بالانتخابات، ونراها وسيلة حضارية تعطي للمواطن حق اختيار من يمثله، ولكننا نعيب الوسائل المستخدمة والآليات لتطبيقها ... ) .

وفي نهاية هذا الفصل، وبعد أن أثبتنا تبني هذا الحزب للعمل الديمقراطي وإقراره للتعددية السياسية، نود أن نفضح الزعم القائل؛ بأنّ الإسلام لا يتنافى مع الديمقراطية، وأنّ الشورى والديمقراطية هما وجهتان لحقيقة واحدة [3] ...

معنى الديمقراطية:

الديمقراطية [ Democracy] كلمة مشتقة من لفظتين يونانيتين؛ [ Demos] الشعب، و [ Kratos] سلطة، ومعناها الحكم الذي تكون فيه السلطة للشعب، وتُطلق على نظام الحكم الذي يكون الشعب فيه رقيبًا على أعمال الحكومة بواسطة المجالس النيابية، ويكون لنواب الأمة سلطة إصدار القوانين [4] .

وتتم عملية انتقاء القوانين والتشريعات بحسب اختيار الأكثرية لها من أعضاء مجلس النواب [5] .

ومنه نعلم أن الديمقراطية تعني - عند أربابها وصانعيها - حكم الشعب؛ نفسه بنفسه، وتعني اختيار الشعب، والاحتكام إلى الشعب عند حصول النزاع والاختلاف، فالشعب سلطة عليا لا تعلو سيادته سيادة، ولا إرادته إرادة بما في ذلك إرادة الله عز وجل، التي لا اعتبار لها، وليست لها أية قيمة في نظر الديمقراطية والديمقراطيين!

متى ظهرت الديمقراطية:

والديمقراطية ظهرت في أوربة كنظام حاكم - إثر الثورة الفرنسية - نتيجة للظلم الكنسي، والإرهاب الفكري والجسدي الذي مارسته الكنيسة بحق الشعب، وبخاصة منهم العلماء والمفكرين الذين خالفوا الكنيسة في كثير من المسائل العلمية، حيث كانت لهم الاجتهادات والتفسيرات لبعض الظواهر العلمية التي تعارض وتغاير ما كانت عليه الكنيسة، وهذا أمر لم تكن الكنيسة - يومذاك - أن تتحمله أو تُطيقه، فحملهم ذلك على تصفية وتعذيب كل مخالف للكنيسة وتعاليمها؛ ومحاكم التفتيش وما كان يجري فيها من مجازر وقتل وتعذيب وحشي، وأحكام صورية ترعاها الكنيسة وتقوم عليها، ليست أخبارها عن المسامع ببعيدة ...

في هذه الأجواء ظهرت الديمقراطية الحديثة، فجاءت ناقمة على تعاليم الكنيسة وكل شيء اسمه دين، ووقفت الموقف المغالي والمغاير لتعاليم الكنيسة، وما كانت تفرضه الكنيسة على العباد باسم الله، حيث كانت تزعم لنفسها الحق في التكلم نيابة عن الله، وهذا ليس لأحدٍ سواها!

ماذا يترتب على الديمقراطية؟

فعملت الديمقراطية على نزع سلطة السيادة عن باباوات الكنيسة لتجعلها حقًا خالصًا لباباوات المجالس النيابية بزعم تقرير مبدأ سيادة الأمة والشعب، ففرت من سيادة مخلوق إلى سيادة مخلوق آخر، ومن ألوهية مخلوق إلى ألوهية مخلوق آخر؛ لكن في المرة الثانية جاءت ألوهية هذا المخلوق - بعيدًا عن الكنيسة والدين - باسم الشعب والأمة كما زعموا!

فكانت الديمقراطية بذلك أول من تَبَنَّى عمليًا مبدأ فصل الدين عن الدولة وعن الحكم والحياة، ورفعت الشعار المعروف؛"دع ما لقيصر لقيصر"، وقالت: لله فقط الصلوات في زوايا المعابد والصوامع، وما دون ذلك فيما يتعلق بجميع مرافق الحياة السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والتشريعية وغيرها من مجالات الحياة؛ فهي ليست من خصوصيات الله، وإنما هي من خصوصيات"قيصر"المتمثل في صورة الشعب ومَن ينوب عن الشعب، فما لله لله، وما للشعب للشعب، وما يصل لله يصل للشعب؛ حيث للشعب كامل الصلاحيات والحق في التدخل في شؤون المعابد والمساجد وسياستها وغير ذلك مما جعلوه لله بزعمهم، بينما ما يصل للشعب فهو لا يصل إلى الله ولا يحق له البت فيه ... تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا!

صدق الله العظيم: {فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: من الآية 136] .

فمن قال: (لا إله والحياة مادة) ، قالت له الديمقراطية؛ لا ضير عليك، لك أن تعتقد في الله ما تشاء ما دمت ديمقراطيًا، وهذه اسمها حرية الاعتقاد!

ومن اعتقد بخالق وإله للوجود، قالت له الديمقراطية؛ لك ذلك، لكن ليس لك أن تُكره الآخرين على اعتقادك، أو تنكر عليهم - بالقوة - اعتقادهم لو خالفوك في المعتقد، فكل منكم له الحرية في أن يعتقد في الله ما يشاء! ثم لا يجوز لك إن كنت تؤمن بالله أن تجعل ما هو من صلاحيات الشعب لله ... فما لله لله وما للشعب للشعب، والدين لله والوطن للجميع!

ومن أراد كذلك أن يقول ما يشاء، ولو كان قوله فيه سبًا لله ولرسوله، فله ذلك وليس لأحدٍ أن ينكر عليه، وهذا اسمه - كما زعموا - حرية التعبير [6] .

ومن أراد أن يزني أو يشرب الخمر أو يفعل ما يشاء - ما لم يحظره القانون الوضعي - فله ذلك، وليس لأحدٍ أن ينكر عليه، وهذا اسمه عندهم الحرية الشخصية!

ومن أراد أن يستغل أو يرابي أو يحتكر، أو يُقامر فله ذلك وليس لأحدٍ في ظل الديمقراطية أن ينكر عليه، لأن هذا عندهم يندرج تحت الحرية الاقتصادية، وحرية التملك والكسب!

لذا نجد أن الديمقراطية ثوب فضفاض يرتديه الجميع - لأنه يخول الجميع التفلت من كل قيد يقيد من نزواتهم وشهواتهم وأهوائهم، ويمكن كل فريق بأن يسير في الاتجاه الذي يهوى ويريد - فمن كان شيوعيًا ملحدًا لا يؤمن بالله تعالى؛ يقول بالديمقراطية، ومن يؤمن بوجود الله - لكنه علماني - يقول بالديمقراطية، ومن كان وطنيًا أو قوميًا؛ يقول بالديمقراطية، حتى وجدنا كثيرًا من عوام المسلمين وخواصهم - وللأسف الشديد - يقولون بالديمقراطية، ويطالبون بها كنظام يحكم البلاد والعباد، ومن لم يصرح بها لفظًا يصرح بها معنىً وتلميحًا!

وهذا إن دل فهو يدل على الخواء العقدي الإيماني الذي تعاني منه الشعوب، والذي تم بعد ممارسة"سياسة التفريغ"؛ تفريغ القلوب من المحتوى الديني الإيماني العقدي، التي قامت بها الأنظمة الطاغية مع شعوبها، حتى أصبح الناس كالوعاء الخاوي الذي يستقبل كل شيء يُقذف فيه بغض النظر عن نوعية وجودة هذا الشيء الذي يقذف فيه!

لذا ما من كفر أو شذوذ أو شعار يرفع في الخارج وفي بلاد الكفر إلا ووجدنا صداه وأثره في الأمة وفي أخلاق أبنائها، ووجدنا من يتبناه من أبناء جلدتنا ويطالب به!

حتى حزب"عبدة الشيطان"فقد وجدنا في بلادنا من يدعو إلى هذا الحزب ويرفع راياته، ويمارس طقوسه، بل ما من شذوذ تقرف منه النفوس السوية ويأباه الشرع إلا ووجدنا من يمارسه في ديارنا، وكل ذلك يَدخُل ويُصَدَّر إلينا، ويُمارس تحت شعار الديمقراطية، والحرية التي تكفلها وترعاها الديمقراطية! صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (لتتبعُنَّ سنن الذين من قبلكم شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لاتبعتموهم) ، قلنا يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟!) ، أي من يكون غيرهم! والحديث متفق عليه.

الديمقراطية والشورى:

لتروج فكرة الديمقراطية على الناس، قالوا وزعموا - زورًا وتضليلًا للناس - أن الديمقراطية هي الشورى في الإسلام، ولا تغاير بينهما ولا تناقض، حيث كل منهما يدل على الآخر ويعطي معناه ... وغير ذلك من الأقاويل الباطلة المزخرفة التي تأتي كلها من باب إلباس الحق بالباطل، وكتمان العلم على الناس رهبة من طاغوت، أو رغبة بالفُتات اليسير الذي يُرمى إليهم من قبل الطاغوت!

والله تعالى يقول: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 42] ، وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} [آل عمران: 71] .

لذا تعين علينا أن نبين للقارئ أبرز الفوارق بين الديمقراطية والشورى، والتي منها:

1)الشورى كلمة عربية قرآنية جاء ذكرها والأمر بها في القرآن الكريم في أكثر من موضع، بينما الديمقراطية كلمة غربية، خبيثة المنبت والمنشأ، لا قرار لها ولا أصل ولا وجود لها في اللغة العربية، ولا في دين الله تعالى

2)الشورى حكم الله تعالى، بينما الديمقراطية هي حكم الشعب، وحكم الطاغوت.

3)الشورى تقرر أن السيادة والحاكمية لله تعالى وحده، بينما الديمقراطية تقرر أن السيادة والحاكمية للشعب، وما يختاره الشعب.

4)الشورى تكون في مواضع الاجتهاد فيما لا نص فيه، بينما الديمقراطية تخوض في كل شيء، وتحكم على كل شيء بما في ذلك النصوص الشرعية ذاتها، حيث لا يوجد في نظر الديمقراطية شيء مقدس لا يمكن الخوض فيه، وإخضاعه لعملية التصويت والاختيار.

5)تخضع الشورى لأهل الحل والعقد، وأهل الاختصاص والاجتهاد، بينما الديمقراطية تخضع لجميع طبقات وأصناف الناس؛ الكافر منهم والمؤمن، والجاهل منهم والعالم، والطالح والصالح فلا فرق، وكلهم لهم نفس الأثر على الحكم والقرار!

6)تهتم الشورى بالنوع والرأي الأقرب إلى الحق والصواب، وإن خالف ذلك الأكثرية وما عليه الجماهير، بينما الديمقراطية تهتم بالكم والغثاء، وهي تدور مع الأكثرية حيث دارت، ولو كانت النتيجة مخالفة للحق موافقة للباطل!

7)ينبثق عن الشورى مجلس استشاري وظيفته استخراج أقرب الآراء إلى الحق، وفق ضوابط وقواعد الشرع، بينما الديمقراطية ينبثق عنها مجالس تشريعية، لها صلاحيات التحليل والتحريم، وسن القوانين والتشريعات بغير سلطان من الله تعالى.

8)الشورى من دين الله تعالى، الإيمان بها واجب وجحودها كفر ومروق، بينما الديمقراطية دين الطاغوت، الإيمان به كفر والكفر به إيمان، قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} [البقرة: 256] .

9)الشورى - على القول الراجح - واجبة غير ملزمة، بينما الديمقراطية فإن الآراء التي تؤخذ عن طريقها - مهما كان نوعها وقربها أو بعدها عن الحق - فإنها ملزمة وواجبة ونافذة!

وبعد ...

هذه هي أهم الفوارق بين الشورى والديمقراطية، ومنها يتبين أن الفارق بينها شاسع وكبير، وأنه لا لقاء بينهما في شيء، وزعم اللقاء بينهما في بعض الأوجه هو محض افتراء وكذب.

وللتذكير فإننا نقول؛ من يُسوي بين الشورى والديمقراطية، ويعتبرهما شيء واحد من حيث الدلالة والمعنى أو القيمة، مثله مثل من يسوي بين الخالق والمخلوق، وبين شرع الله تعالى ودينه وشرع الطاغوت ودينه، وعليه وعلى أضرابه يُحمل قوله تعالى: {قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلالٍ مبين إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: 96 - 98] .

استخدام الديمقراطية كمصطلح:

يقول البعض عندما تواجههم بحقيقة الديمقراطية وما يترتب عليها من مزالق ومخالفات شرعية؛ نحن إذ نستخدم كلمة الديمقراطية إنما نستخدمها كمصطلح فقط، وأحيانًا نستخدمها ونريد منها المعاني التي لا تتغاير ولا تتعارض مع تعاليم الإسلام، كما وأننا لا نريد باستخدامها المعاني والمبادئ المغايرة للإسلام، والتي تشيرون إليها عند حديثكم عن الديمقراطية!

وهذا قول باطل مردود على أصحابه، وذلك من أوجه:

منها؛ لا توجد ديمقراطية من دون هذه المبادئ والأسس التي تقدم ذكرها.

ومنها؛ أن هذا القول في الغالب يُراد منه تضليل الناس وتلبيس الحق عليهم، ليسهل على دعاة الديمقراطية تمرير باطلهم وأفكارهم الديمقراطية المغايرة لشرع الله، وهذا يدركه القارئ من خلال اطلاعه على الأوجه الأخرى التالية الذكر.

ومنها؛ أن الديمقراطية - كما تقدم - لا تنطوي إلا على الشر المحض، وهي قلبًا وقالبًا تخالف وتضاد شرع الله تعالى، فكيف يجوز استخدامها وحملها على معانٍ شرعية هي لا تحتملها أصلًا، لذا لم يبق سوى أن نقول؛ أن استخدامها من هذا الوجه هو من باب إلباس الحق بالباطل، وتحميل المعاني ما لا تحتمل، والنتيجة هي تشويه عقائد الناس وأفكارهم!

ومنها؛ أن هذه الديمقراطية - كما زعموا - التي لا تخالف شرع الله، ولا تحلل الحرام، ولا تحرم الحلال، فهي بذلك لم يعد اسمها - في عرف المؤسسين لها والقائلين بها - ديمقراطية، وليبحثوا عما هم عليه عن اسم آخر غير الديمقراطية، ولا أظن اللغة العربية لغة القرآن الكريم قد خلت من المفاهيم والمصطلحات التي تغنينا عن استخدام كلمة الديمقراطية، وهذا معنى ستأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى.

ومنها؛ بشيء من التأمل ندرك أن الممارس على أرض الواقع من قِبل الإسلاميين البرلمانيين، هو مخالف تمامًا لما زعموا وقالوا، حيث أننا نجدهم يمارسون الديمقراطية بمعناها المغاير والمخالف لشرع الله تعالى، يمارسونها بمبادئها وأسسها الآنفة الذكر في أول بحثنا هذا، وبالتالي لا قيمة البتة لما زعموا وقالوا ما دام زعمهم يرده لسان الحال، وواقعهم العملي الممارس على أرض الواقع.

ومنها؛ أن هذا القول مخالف لما هو ثابت في أدبيات القوم ومنشوراتهم، وبياناتهم الخاصة بهم.

ومنها؛ - أي من الوجوه التي تمنع استخدام الديمقراطية كمصطلح - أن الديمقراطية لها مدلولها ومفهومها الخاص بها في أذهان الناس، وهو المفهوم الشائع الذي بيناه عند الحديث عن مبادئ وأسس الديمقراطية، وهم عندما يسمعون أحدًا - أيًّا كانت هويته وكان اتجاهه - يتكلم عن الديمقراطية، ويدعوا إليها، أو يثني عليها خيرًا سرعان ما تذهب أذهانهم إلى الديمقراطية السائدة وكما عرّفها لهم أربابها ومؤسسيها، ولا يخطر على بالهم مطلقًا المعاني الخيرة التي يقصدها المتكلم عندما يتحدث عن الديمقراطية، وبخاصة أن هذه الديمقراطية الخيرة التي لا تخالف شرع الله تعالى ليس لها مثال على أرض الواقع، وهي غير موجودة حتى في عالم الخيالات والنظريات!

لذا فإن الذي يستخدم الديمقراطية عند حديثه عن معانٍ خيرة لا تخالف شرع الله تعالى، فإن حديثه مؤداه - وبخاصة إن كان من الخواص - إلى إضلال الناس وفتنتهم وصدهم عن الحق، مهما كان قصده سليمًا وشريفًا. وهذا من الأوجه التي تمنع من استخدام الديمقراطية كمصطلح.

ومنها؛ أن الشارع قد نهى عن استخدام بعض الكلمات والمصطلحات حمّالة الأوجه، وإن كان ظاهرها لا يحتمل إلا المعنى الخيّر والصحيح، حتى لا يستغلها أصحاب الأهواء لمآربهم الباطنة الخبيثة، فيطلقونها على شيء ظاهره حق، ويريدون بها شيئًا آخر باطنها الإثم والعدوان.

مثال ذلك كلمة راعنا حيث كان الصحابة رضوان الله عليهم يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم:"راعنا"، على قصد الطلب وسؤال المراعاة، أي التفت إلينا وتولنا، وكانت هذه الكلمة عند اليهود - لعنهم الله - مسبةً وطعنًا، حيث تعني عندهم الشرير، فكلمة"راعي"تعني في العبرية - لغة اليهود - الشرير، و"راعينو"أي شريرنا، فاغتنموها فرصة للنيل من جناب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقالوا؛"كنا نسبه سرًا فالآن نسبه جهرًا"! فكانوا يخاطبون بها النبي صلى الله عليه وسلم ويضحكون فيما بينهم، فنهى الله تعالى المؤمنين عن استخدام كلمة"راعنا"، حتى لا يستغلها اليهود فيستخدمونها لمقصدهم الفاسد والباطل، وأمرهم أن يستبدلوها بكلمة"انظرنا"حيث لا يمكن استخدامها من قبل أصحاب النفوس المريضة مهما تكلفوا اللي باللسان إلا في الجانب الخيِّر، والمعنى الظاهر الصحيح، كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا} [البقرة: 104] .

وقال تعالى عن اليهود: {ومن الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مُسْمَعٍ وراعنا ليًَّا بألسنتهم وطعنًا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرًا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلًا} [النساء: 46] .

وقال تعالى أيضًا عن اليهود حاكيًا حالهم كيف يتلاعبون في الألفاظ والمصطلحات، وكيف يصرفونها عن ظاهرها إلى غير مقاصدها الصحيحة المرادة من الشارع، وكيف أنهم يبدلون الكلم عن مواضعه ومراده ابتغاء الفتنة، والطعن في الدين: {ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حِطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزًا من السماء بما كانوا يفسقون} [البقرة: 58 - 59] .

فقوله تعالى: {وقولوا حطة} ، أي قولوا احطط عنا خطايانا، واستغفروا الله، فقالوا بدلًا من ذلك: (حنطة في شعيرة) ، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح: (قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة، فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستهم، وقالوا: حبة في شعيرة) .

وعن عبد الله بن مسعود: ( {وقولوا حطة} فقالوا: حنطة، حبة حمراء فيها شعيرة) .

ونحو ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقل أحدكم؛ أطعم ربك، ووضِّئ ربك، واسق ربك، ولا يقل أحد؛ ربي - أي لمولاه وسيده - وليقل؛ سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم؛ عبدي وأمتي، وليقل؛ فتاي وفتاتي، وغلامي) .

وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر) ، أي أن الدهر مما قدره الله وأراده أن يكون، وبالتالي كان من شتمه كأنما شتم الله الذي قدره وأجراه.

شاهدنا من هذه الأحاديث الثابتة الصحيحة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى المسلمين عن استخدام كلمات وأسماء حمالة أوجه، قد تُستغل استغلالًا سيئًا من قبل أصحاب النفوس المريضة لمقاصدهم الباطلة، فيطلقونها على شيء ويريدون منها شيئًا آخر لا يرتضيه الشارع، ودرءًا لحصول ذلك استبدلها بكلمات وأسماء لا لبس فيها ولا غموض، لا يمكن استخدامها في المعاني الباطلة، أو استغلالها لمقاصدهم الفاسدة.

وإذا كان الأمر بهذه الأهمية وهذا الجد مع كلماتٍ كعبدي، وأمتي، وربي وغيرها، فمن باب أولى أن يأتي النهي عن استخدام كلمات ومصطلحات ظاهرها وباطنها شر محض، تعتبر شارات وعناوين لمذاهب ومناهج كفرية باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، ككلمة الديمقراطية، والاشتراكية، والقومية، والوطنية، والإنسانية وغيرها، التي باتت تُلاك على ألسنة كثير من المثقفين المعاصرين بصيغة الاستشهاد والمدح، من دون أن يجدوا في أنفسهم مثقال ذرة من حرج، أو يتنبهوا إلى درجة مخالفتها لثوابت هذا الدين!

ولا يُقَال في مثل هذه المواضع لا مشحَّة في الاصطلاح؛ فمثل هذا الإطلاق له موضعه، ويكون عند استخدام المصطلحات الفقهية الشرعية التي لا تحتمل إلا الحق والصواب، أما الكلمات والمصطلحات حمالة الأوجه، أو التي لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا وهو الخطأ والباطل فالمشحة فيها واردة ومشروعة إن لم تكن واجبة.

ومنها؛ أن المسلم متميز - بفكره وسلوكه وثقافته ولغته - عن كل ما يمت إلى الجاهلية بصلة، مستعلٍ عليها بإيمانه وإسلامه، فلا يجوز له وهو كذلك أن يلتجئ إلى رطانة العجم ومصطلحاتهم، ويستخدمها في مواضع الاستحسان والمدح وبخاصة إذا كانت هذه المصطلحات تعتبر شارات لمفاهيم وقيم تتعارض مع ما هو معلوم من ديننا بالضرورة كالديمقراطية وغيرها، وكما أسلفنا من قبل؛ فإن الديمقراطية كلمة يونانية لا أصل لها في اللغة العربية، وهي غريبة المنشأ والمعنى، تُعد من رطانة العجم التي نهينا عن التحدث بها لغير ضرورة ملزمة.

فقد صح عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم) .

وقال رضي الله عنه: (ما تكلم الرجل الفارسية إلا خبَّ - أي صار خداعًا - ولا خب إلا نقصت مروءته) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت