الصفحة 4 من 62

فقال سبحانه عن ذلك: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ} .

وقد دعت السنة إلى البيعة وحذرت من نقضها وخلعها بعد توكيدها.

ففي الصحيح من حديث ابن عمر: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لاحُجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) [رواه مسلم] .

-ثالثًا؛ حكم البيعة:

تبين مما تقدم؛ أن قيام الجماعة المجاهدة واجب من واجبات الدين التي لا يسع المسلمَ تركها، ولما كانت هذه الجماعة لا يمكن إقامتها إلا ببيعة صادقة على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، والعسر واليسر، والبأساء والضراء وحين البأس، صارت هذه البيعة واجبة على كل مسلم، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب - كما هو مقرر في علم الأصول -

وقد ورد من النصوص ما يدل على وجوبها.

فمن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما - المتقدم - عند مسلم: (من مات وليس في عنقه بيعة؛ مات ميتة جاهلية) .

فلو لم تكن البيعة واجبة ما استدعى ذلك ذمَ تاركها وتبكيته [1] ، لأن من المعلوم أن الذم والتأثيم لا يأتي في معهود الشارع إلا عند ترك واجب أو فعل محرم - كما هو مقرر في مواضعه من كتب الأصول - وعليه فإن المسلم يأثم بتركه لهذه المبايعة الواجبة.

وفي السنة شواهد كثيرة تدل على هذا المعنى، كما في غزوة مؤتة واختيار المسلمين لخالد أميرًا لجماعتهم، فلو لم يكن ذلك واجبا عليهم، ليلم شعثهم ويجمع فرقتهم، لما أقدموا عليه حتى يراجعوا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيما وهم أبعد الناس عن استحداث أمر في هذا الدين ليس له ما يبرره.

(1) إن هذا التأصيل - من حيث العموم - متفق عليه عند أهل العلم, وإنما حصل الخلاف بينهم في حكم من ترك البيعة، أيخرج بتركها من الدين أم يعد مرتكبا لكبيرة فحسب؟ قال الحافظ ابن حجر في معرض كلامه على ذلك: (والمراد بالميتة الجاهلية حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك, وليس المراد انه يموت كافرًا، بل يموت عاصيًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت