الصفحة 1 من 33

بسم الله الرحمن الرّحيم

إن المتتبع للحياة السياسية في الجزائر ليقف مشدوها، ليس لتعقد آلياتها ولكن لسذاجة الداخلين في دواليبها من غير إعداد لتقلباتها وانحرافاتها حسب أهواء ونزوات الحكام الفعليين فيها والمتحكمين في مصادر القوة من مال وسلاح ومعلومات من إدارة وجيش واستخبارات من أمام وخلف الستارات، والإنتخابات الرئاسية الأخيرة خير مثال، حيث نجح مرشح الحكام الفعليين بنسبة فاقت توقع المزورين أنفسهم، بل فاقت نسبة نجاحه يوم ترشح وحيدا قبل خمس سنوات بعد انسحاب المنافسين ... وعاشت الديمقراطية في الجحيم، إلى هنا كل شيء يسير وفق طبيعته، طاغية اعتدى على حق خالقه في الحكم والتشريع يعتدي على من هو دونه ... فالشيء من معدنه لا يستغرب ...

أما ما نستغربه نحن فهو استمرار تهافت هذه الكيانات المجهرية المسماة أحزابا على هذه السياسات، اللهم إلا إذا كانت تتخذها سبيلا للمعاش ولا نظنها تعدوا عن ذلك ... خاصة مع ارتفاع نسبة البطالة ...

أما الأحزاب المسماة بالإسلامية فما زالت تقدم تنازلات تلو التنازلات حتى غيبت الإسلام من خطابها وبرنامجها بعدما شطبته من تسميتها ... ليصبح طاغوت الأمس ولي أمر اليوم وأعداء الإسلام التاريخيين من فرنكو شيوعيين وعلمانيين مرتدين حلفاء حميمين كأن القوم لم يقرؤوا قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} . و سبحان مغير الأحوال.

أما إذا نظرنا بعين الفحص إلى حقيقة الممثلين في دوائر الحكم من برلمانات ووزارات لهؤلاء وهؤلاء فلم يعد هناك فرق يذكر بعدما جرفت الكل سياسة تضخيم المرتبات وتجارة الحاويات والشاحنات دون ذكر الرشاوى والإمتيازات، أما هموم الأمة فلها مناسبات ... في كل خمس سنين مرة تنزل فيها هذه الأزلام والأقزام إلى الشوارع والطرقات، توزع الوعود والقبلات، حتى إذا أخذت الإمضاءات والتزكيات عادت إلى جحورها - عفوا قصورها - كالجرذان عبر القنوات، لا يهمها سوء طلعها ولا نتن ريحها بقدر ما يهمها إشباع شهواتها لسان حالها، المهم الحياة ... أي حياة ...

وهكذا يستمر ضياع الأمة بين هذه المتاهات، لتستفيق في كل مرة على انحدار أشد من سابقه في جميع المجالات، ففي مجال الأخلاق انتشار الفساد والرذيلة حتى كاد الناس يتحولون - ولا حول ولا قوة إلا بالله - إلى حيوانات، وما زيادة نسب الإنتحار بين شرائح المجتمع إلا دلالة على ما وصل إليه الناس من اليأس والإحباط القاتلين.

أما السجون فقد ضاقت بزوارها نظرا لارتفاع الجريمة الناتجة في معظمها عن الخمر أم الخبائث وانتشار المخامر وكذلك السرقة بين الشباب البطال الذي لم يجد حلا لمشاكله اليومية ومعاناته اللامنتهية سوى مد يده إلى جيوب الأخرين لسد حاجته أو إشباع شهوته التي فتقتها الفضائيات بما تحمله إليه وعلى مدار الساعة، من أفلام وأحلام، حتى إذا استيقظ على واقعه المعاش وجد نفسه أمام خيارين؛ إما السجن وإما الانتحار .. بعدما صدت في وجهه كل الأبواب.

وفي السياسة؛

أشربنا من الذل أمام أعداء الأمة والملة إلى حد الثمالة، حتى صار أشباه رؤساء عندنا مجرد خدم وعبيد عند عبدة الأوثان والصلبان لا يحمون أرضا ولا يصونون عرضا، أما الدين فهم ألد أعدائه، و"جيشنا"المخذول"مجرد حركي"، لا تقوى على الحركة المعاكسة لشهوة بوش وإرادة شارون، ولو كان في ذلك ضرب للأمة في صميم فؤادها وعقيدتها.

وما الجهاد القائم في هذه الديار منذ اثني عشرةٍ سنة ونيف إلا دليل على تحول هذا الجيش من وظٍيفته الأصلية المتمثلة في حفظ حوزة الأمة وبيضتها والمساهمة في تضميد جراحات المسلمين الكثيرة إلى مجرد مرتزقة في خدمة حفنة من الجنرالات يستعملونه في حرب الإسلام وتحطيم مقومات الأمة وثوابتها، ولا يزال مسلسل التطبيع والإندماج مستمرا مع حلف الناتو ومشروع الشرق الأوسط الكبير - لا قدر الله - مما سيجعل هذا الجيش مجرد جيش احتياطي في يد الإدارة الأمريكية والإسرائيلية والفرنسية تدفع به حيث كانت مصالحها، أما العناوين فلا ضير ما دامت قائمة الحرب على الإسلام - الإرهاب زعموا - مفتوحة، ولا حول ولا قوة إلا بالله ..

أما في الاقتصاد؛

فيكفي أن وزير المالية عندنا يهودي جنسا وعقيدة من يهود تلمسان وعاشت"حكومتنا"متعددة الجنسيات، في صقر لا تبقي ولا تذر، ولا تسأل بعد ذلك عن النهب المنظم للأموال والخيرات وتهريبها إلى بنوك اليهود والصليبيين، والبورصات، تحسبا للطوارئ والتقلبات، لأنهم لا يأمنون على أنفسهم وأموالهم في بلادهم، أما بلغة الأرقام فنسوق إليك أخي القارئ بعض ارقامهم التي شهدوا بها على أنفسهم، إذ يقول التقرير: وحسب المصدر ذاته، فقد سجلت نسب هامة في انخفاض الانتاج بجميع القطاعات والتي وصلت بعضها إلى حدود قياسية مثل: إنتاج المواد الغذائية، بناقص 20،65 بالمائة، والكيمياء والمطاط بناقص 10,4 بالمائة.

يشير التقرير إلى زيادة الإنتاج في مجال المحروقات ويَعتبر ذلك تحسنا وهو في الحقيقة مجرد استنزاف لخيرات الأمة ومخزونها الإستراتيجي بأثمان بخسة ولا فضل لهم في هذه الزيادة من هذه النعمة التي أنعم الله بها على هذه الأمة وتستفيد منها عصابة المجرمين لوحدها.

أما اتفاق الشراكة المزعومة مع الإتحاد الأوروبي فستنعكس - حسب تقرير الإتحاد الأوروبي نفسه - على الجزائر بخسائر جمركية تفوق 1,5 مليار دولار، وفقدان آلاف مناصب الشغل وما يترتب عليه من آفات اجتماعية، أولها الفقر وآخرها الجريمة، إذ يقول التقرير ..."إلى جانب الخسائر الجبائية التي ستظل قائمة إلى غاية 2015م، فإن الإقتصاد الجزائري سيعرف هزات عنيفة سواء تعلق الأمر بفقدان قرابة 60 ألف منصب شغل في المرحلة الأولى، أو خسائر من المداخيل الجبائية تتراوح ما بين 1,5 و1,8 مليار دولار".

هذه السياسة الخبيثة سينتج عنها كما يضيف التقرير الأوروبي: (فتحرير الإقتصاد في ظل هذا الوضع سيؤدي إلى تجميع الثروات والقطاعات الحيوية في أيدي أقلية أو عدد قليل من الإحتكارات حيث تستفيد أقلية من نتاج ارتفاع الصادرات الأوروبية باتجاه الجزائر) - طبقة المحظوظين من أحفاد فافا وطونطون، وجنرالات الحاويات، إلى جانب الأقدام السوداء واليهود العائدين حتما إلى الجزائر، وزيارة شيراك الأخيرة بداية الطريق -

قلت: تستفيد أقلية من نتاج ارتفاع الصادرات الأوروبية باتجاه الجزائر، وبالتالي العودة إلى منطق الإحتكارات وفق صيغة الهرم المقلوب، بحيث أن الأقلية هي التي تتحكم في النصيب الأكبر من الثروة ... وأمام هذا التردي المتواصل والإنحدار المستمر في جميع المجالات ... لسنوات وسنوات ... تمثل بحق سنوات الضياع.

ننصح الأمة عامة - والشباب خاصة - إعذارا لأنفسنا عند الله وإبراء للذمة، بالعودة إلى الله والبراءة من هؤلاء الطواغيت المجرمين وسياساتهم، عودة تقتضي أخذ الكتاب بقوة، كما حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم، مصحف هاد وسيف ناصر، نقطع به دابر هؤلاء المجرمين الذين لا يفهمون إلا لغة الحديد والنار، وهو ما يضع علماء الأمة ودعاتها والمجاهدين في سبيل الله في الصف الأول، بما يمثله العلماء والدعاة في قلب الأمة وذاكرتها من مكانة ومحل ثقة، وبما يفرضه العلم على حامله من ضريبة قول الحق والصدع به، وإثم كتمانه وخذلانه، وبما يمثله المجاهدون في سبيل الله من حصن حصين تكسر عليه محاولات المسخ الخبيثة لعقيدة الولاء والبراء ... على حين غفلة من الأمة، من أجل تحطيم حدودها العقدية بعدما داسوا حدودها الجغرافية، والواقع أشهر من أن يعرّف.

أما الإستمرار في سياسة الديموقراطية المغشوشة والإنتخابات المحبوكة ومجاراة الطواغيت فيها فلن يعدو أن يكون إطالة لعمر الأزمة والغمة، بما يوفره - أي هذا الإستمرار - على هؤلاء المجرمين من جهاد ومقاومة لسياساتهم الخبيثة، ومن يزرع خرابا يحصد سرابا.

ألا هل بلّغت اللهم فاشهد، ألا هل بلّغت اللهم فاشهد

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه

[كتبه؛ أبو عبد الله أحمد > 12 / ربيع الأول / 1425 هـ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت