فهرس الكتاب
(قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ الْأَصْلُ) هُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفُ وَإِنْ شَرَطَ الْأَمَانَ إلَخْ
فَصْلٌ وَتَجِبُ الْهِجْرَةُ عَنْهَا إجْمَاعًا حَيْثُ حُمِلَ عَلَى مَعْصِيَةِ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ، أَوْ طَلَبَهَا الْإِمَامُ تَقْوِيَةً لِسُلْطَانِهِ"مَسْأَلَةٌ" (ى هق) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إمَامٌ أَوْ كَانَ وَلَمْ يَطْلُبْهَا وَلَيْسَ بِمُتَمَيِّزٍ عَنْهُمْ تَمَيُّزًا ظَاهِرًا، لَزِمَتْهُ أَيْضًا لِئَلَّا يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ، وَذُرِّيَّتَهُ لِلسَّبْيِ، وَمَالَهُ لِلنَّهْبِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ *، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَلَا يَقِفَنَّ مَوَاقِفَ التُّهَمِ * (ى هق) فَإِنْ تَمَيَّزَ لَمْ تَلْزَمْهُ إذْ لَا وَجْهَ لِوُجُوبِهَا سِوَى مَا ذَكَرْنَا، مِنْ اتِّقَاءِ جَرْيِ أَحْكَامِهِمْ عَلَيْهِ. قُلْت: بَلْ الْأَقْرَبُ لِلْمَذْهَبِ أَنَّهَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ عَنْهَا وَعَنْ دَارِ الْفِسْقِ إلَى خَلِيٍّ عَمَّا هَاجَرَ لِأَجْلِهِ، أَوْ مَا فِيهِ دُونَهُ، بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ أَوْ عُذْرٍ (م) لَا تَجِبُ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ * قُلْنَا: مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ أَقَامَ فِي دَارِ الشِّرْكِ سَنَةً * وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَا يَحِلُّ لِعَيْنٍ تَرَى اللَّهَ يُعْصَى فَتَطْرِفَ حَتَّى تُغَيِّرَ أَوْ تَنْتَقِلَ، الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ لَا تَتَرَاءَى نِيرَانُهُمَا * وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وآله وسلم لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ * لَعَلَّهُ أَرَادَ مِنْ مَكَّةَ، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ (الْقَاضِي) وَكُفْرُ التَّاوِيلِ كَالتَّصْرِيحِ فِي وُجُوبِ الْهِجْرَةِ (ى) لَا تَجِبُ لِأَجْلِ كُفْرِ تَاوِيلٍ وَلَا فِسْقَ مَعَ التَّمْيِيزِ. لَنَا مَا مَرَّ.
فَصَلِّ وَتَجِبُ الْهِجْرَةُ (قَوْلُهُ) "فَلَا يَقِفَنَّ مَوَاقِفَ التُّهَمِ"تَقَدَّمَ. (قَوْلُهُ) "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ"عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا * أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ إلَّا الْمُوَطَّأَ، وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ أُخَرُ. (قَوْلُهُ) أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ أَقَامَ فِي دَارِ الشِّرْكِ سَنَةً * حَكَاهُ فِي أُصُولِ الْأَحْكَامِ هَكَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ. (قَوْلُهُ) لَا يَحِلُّ لَعَيْنٍ تَرَى اللَّهَ يُعْصَى فَتَطْرِفَ حَتَّى تُغَيِّرَ أَوْ تَنْتَقِلَ * ذَكَرَهُ فِي الشِّفَاءِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ) الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ لَا تَتَرَاءَى نِيرَانُهُمَا * تَضَمَّنَ مَعْنَاهُ حَدِيثُ جَرِيرٍ الْمُتَقَدِّمُ.
(فَرْعٌ) فَأَمَّا تَعْظِيمُهُ لِمَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ بِالْمُعَظِّمِ مِنْ تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، فَالْأَقْرَبُ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُبِحْهُ لِذَلِكَ إذْ عِتَابُ قوله تعالى تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ * وَسَبَبُ نُزُولِهَا وَعُمُومُ لَفْظِ أَوَّلِهَا، لِكُلِّ عَدُوٍّ لِلَّهِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ ذَلِكَ، إذْ نَزَلَتْ مُعَاتِبَةً عَلَى مُدَاهَنَتِهِمْ رَجَاءَ مَنْفَعَتِهِمْ، وَلَفْظُهَا عَامٌّ لِكُلِّ مَوَدَّةٍ، فَلَا يُقْصَرُ عَلَى سَبَبِهَا، وَقَدْ نَبَّهَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي قوله تعالى قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ * إلَى قَوْلِهِ وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * فَنَبَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى أَنَّ خَوْفَ الْمَضَرَّةِ مِنْ مُنَابَذَةِ الظَّالِمِينَ فِي النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ وَمُفَارِقَةِ الْأَحْبَابِ لَيْسَ وَجْهًا مُرَخِّصًا فِي تَرْكِ جِهَادِهِمْ حَيْثُ وَجَبَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ رَجَاءُ نَفْعِهِمْ وَخَوْفُ مَضَرَّتِهِمْ سَبَبَ تَرْخِيصٍ فِي جَوَازِ تَعْظِيمِهِمْ سِيَّمَا وَقَدْ قَرُبَ مِنْ التَّصْرِيحِ بِذَمِّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ؟ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ. قَالُوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا * وَكَفَى بِظَاهِرِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم الْقَوْا الْفُسَّاقَ بِوُجُوهٍ مُكْفَهِرَّةٍ * وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ مَشَى إلَى ظَالِمٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الْإِسْلَامِ * فَلَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ إلَّا مَا خَصَّتْهُ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَمْ يُخَصَّصْ هَذَا الْوَجْهُ بِالْجَوَازِ دَلَالَةً، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ مَعَ أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي قَدَّمْنَا فِي حُكْمِ الْمُصَرِّحَةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَالْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ فِي الشَّمْسِ فِي ذَمِّ الْعُلَمَاءِ الْمُوَاصِلِينَ لِلْأُمَرَاءِ حَيْثُ قَالَ"فَأَصَبْتُمْ مِنْ دُنْيَاهُمْ دُنْيَاهُمْ فِي دِينِكُمْ"مُصَرِّحٌ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بِلَا إشْكَالٍ فَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ مِنْ مُوَاصَلَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام لِمُعَاوِيَةَ وَزَيْنِ الْعَابِدِينَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ فَمَنْ بَحَثَ السِّيَرَ وَالْآثَارَ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ وُصُولَ تَعْظِيمٍ فِي مُجَرَّدِ قَصْدِ زِيَارَةٍ أَوْ تَهْنِئَةٍ أَوْ وَدَاعٍ أَوْ وَجْهٍ يَقْصِدُونَ بِهِ مُدَارَاتَهُمْ بِوَجْهِ تَعْظِيمٍ وَإِنَّمَا وَصَلُوا فِي الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ إمَّا مَطْلُوبِينَ إلَى حَضْرَتِهِمْ أَوْ لِطَلَبِ حَاجَةٍ عَامَّةٍ، فَإِذَا عَرَضَ خِطَابٌ أَوْ فِعْلٌ ظَهَرَ مِنْهُمْ الِاسْتِخْفَافُ الْكُلِّيُّ بِهِمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَمِنْهُ الْقِصَّةُ الْمَشْهُورَةُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَعَ