فهرس الكتاب
قوله تعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً *؛ قِيلَ فِي الْمُرَاغَمِ إنَّهُ أَرَادَ مُتَّسَعًا لِهِجْرَتِهِ؛ لِأَنَّ الرَّغْمَ أَصْلُهُ الذُّلُّ، تَقُولُ: فَعَلْت ذَلِكَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ فُلَانٍ، أَيْ فَعَلْته عَلَى الذُّلِّ وَالْكُرْهِ. وَالرَّغَامُ التُّرَابُ؛ لِأَنَّهُ يَتَيَسَّرُ لِمَنْ رَامَهُ مَعَ احْتِقَارِهِ وَأَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ أَيْ أَلْصَقْهُ بِالتُّرَابِ إذْلَالًا لَهُ؛ فَقَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً * أَيْ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُتَّسَعًا سَهْلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ *. فَمُرَاغَمٌ وَذَلُولٌ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى.
وَقِيلَ فِي الْمُرَاغَمِ إنَّهُ مَا يُرْغَمُ بِهِ مَنْ كَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ الْهِجْرَةِ.
وَأَمَّا قوله تعالى: وَسَعَةً *، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَالضَّحَّاكِ: أَنَّهُ السَّعَةُ فِي الرِّزْقِ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُ السَّعَةُ فِي إظْهَارِ الدِّينِ لِمَا كَانَ يَلْحَقُهُمْ مِنْ تَضْيِيقِ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ حَتَّى يَمْنَعُوهُمْ مِنْ إظْهَارِهِ.
وفي البحر الزخار:
كِتَابُ السِّيَرِ السِّيرَةُ: الطَّرِيقَةُ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مِنْ سَارَ إلَى كَذَا، أَيْ ذَهَبَ إلَيْهِ،"."مَسْأَلَةٌ"الْجِهَادُ سَنَامُ الدِّينِ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي النُّبُوَّةِ وَالْإِمَامَةِ، وَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْثَةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، أَظْهَرَ كَرَامَاتِهِ حَالَ الْحَمْلِ بِهِ وَرَضَاعِهِ وَفِطَامِهِ بِمَا هُوَ مَاثُورٌ فِي سِيرَتِهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَبَغَّضَ إلَيْهِ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: مَا كَفَرَ بِاَللَّهِ نَبِيٌّ قَطُّ * وَأَوَّلُ مَا فُتِحَ بِهِ الْمَنَامُ الصَّادِقُ وَمَحَبَّةُ الْخَلْوَةِ فَكَانَ يَتَحَنَّثُ فِي حِرَاءَ، وَتَسْلِيمُ الشَّجَرِ وَالْحَجَرِ عَلَيْهِ، وَحِينَ بَلَغَ أَشُدَّهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام فِي حِرَاءَ بِأَوَّلِ سُورَةِ الْقَلَمِ فَفَزِعَ وَخَشِيَ أَنَّ بِهِ جُنَّةً، وَكَانَ مِنْ خَدِيجَةَ مَا هُوَ مَشْهُورٌ، ثُمَّ دَعَا الْخَلْقَ إلَى التَّوْحِيدِ (ى) وَلَمَّا تَخَوَّفَ مِنْ دِمَاءِ قُرَيْشٍ أَمَّنَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ * إلَى قوله تعالى وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ * فَأَحْضَرَ عَشِيرَتَهُ فِيهِمْ أَبُو لَهَبٍ فَدَعَاهُمْ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ. قُلْتُ: وَالْأَقْرَبُ أَنَّ قوله تعالى وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ * نَزَلَتْ فِي الْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا سَبَبُ جَمْعِهِ إيَّاهُمْ قوله تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * فَلَمَّا تَوَلَّوْا وَآذَوْهُ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ * وَنَحْوِهَا ثُمَّ أُذِنَ بِالْهِجْرَةِ لَمَّا كَثُرَ تَأَذِّي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ تَعَالَى وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً * وَلَمْ يُوجِبْهَا، فَتَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْحَبَشَةِ وَالشَّامِ، وَكَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوْسِمِ عَلَى الْقَبَائِلِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَحَدٌ إلَّا الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ، وَابْتِدَاءُ قِصَّتِهِمْ مَشْهُورَةٌ، فَلَمَّا هَاجَرَ وَكَثُرَ أَعْوَانُهُ أُمِرَ بِالْجِهَادِ، فَقَالَ تَعَالَى أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * وَنَحْوَهَا، وَكَذَا حَالُ الْأَئِمَّةِ يُعْذَرُونَ عِنْدَ الضَّعْفِ لَا عِنْدَ الْقُوَّةِ،"كِتَابُ السِّيَرِ (قَوْلُهُ) "أَوَّلُ مَا فُتِحَ بِهِ الْمَنَامُ"إلَخْ. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ الْوَحْيِ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، وَحُبِّبَ إلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءَ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدَ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدَ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ * وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى فَجَأَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَا، قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَا، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَا، قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ حَتَّى بَلَغَ مَا لَمْ يَعْلَمْ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ وَفِي نُسْخَةٍ بَوَادِرُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدَ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، وَقَالَ لَقَدْ: خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلًّا أَبْشِرْ، فَوَاَللَّهِ مَا يُخْزِيك اللَّهُ أَبَدًا، إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ عَلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ؛ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، وَكَتَبَ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ