فهرس الكتاب
الْبَحْرِ إجْمَاعًا حَيْثُ حُمِلَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فِعْلٌ أَوْ تَرْكٌ. أَوْ طَلَبَ الْهِجْرَةَ الْإِمَامُ لِقُوَّةِ سُلْطَانِهِ (وَ) قَدْ ذَهَبَ جَعْفَرُ بْنُ مُبَشِّرٍ وَبَعْضُ الْهَادَوِيَّةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ إلَى وُجُوبِ الْهِجْرَةِ (عَنْ دَارِ الْفِسْقِ) وَهِيَ مَا ظَهَرَتْ فِيهَا الْمَعَاصِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دُونِ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْمُؤَمَّنُ مِنْ إنْكَارِهَا بِالْفِعْلِ وَلَا عِبْرَةَ بِتَمَكُّنِهِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ إذْ الْقَصْدُ نَفْيُهَا فَمَهْمَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَغْيِيرِهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ مِنْ مَوْضِعِهَا إلَى مَكَان لَوْ حَاوَلَ الْعَاصِي أَنْ يَعْصِي فِي تِلْكَ الدَّارِ مُنِعَ وَلَوْ فَوْقَ الْبَرِيدِ. وَلَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ عَنْهَا إلَّا (إلَى) مَوْضِعٍ (خَلَى عَمَّا هَاجَرَ لِأَجْلِهِ) مِنْ الْمَعَاصِي فَيُهَاجِرُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَمِنْ دَارِ ظُلْمٍ وَعِصْيَانٍ إلَى دَارِ إنْصَافٍ وَإِحْسَانٍ أَمَّا الِانْتِقَالُ مِنْ شَرٍّ إلَى شَرٍّ وَمِنْ دَارِ عُصَاةٍ إلَى دَارِ عُصَاةٍ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا إتْعَابُ النَّفْسِ بِقَطْعِ الْمَفَاوِزِ وَشَتَاتِ الْحَالِ وَضَيَاعِ الْمَالِ (أَوْ) إذَا لَمْ يَجِدْ دَارَ إحْسَانٍ بَلْ كَانَ الْعِصْيَانُ مُنْتَشِرًا فِي الْبُلْدَانِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُهَاجِرَ مِنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي فِيهِ الْمَعَاصِي ظَاهِرَةٌ إلَى (مَا فِيهِ دُونَهُ) مِنْ الْمَعَاصِي أَوْ مَا فِيهِ الْمُنْكَرُ إلَى مَا فِيهِ تَرْكُ الْوَاجِبِ نَحْوَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الَّذِي هُوَ فِيهِ يَظْهَرُ فِيهِ الزِّنَى وَالظُّلْمُ وَلَا يُنْكَرُ وَفِي غَيْرِهِ يَظْهَرُ الظُّلْمُ دُونَ الزِّنَى فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ إحْدَى الْمَعْصِيَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ فِي الشَّرِّ خِيَارًا.
وَاعْلَمْ أَنَّهَا تَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ الْمُهَاجَرَةُ (بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ) وَزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَالْمَمَالِيكِ وَلَا يَكْفِيه أَنْ يَنْتَقِلَ بِنَفْسِهِ وَيَتْرُكَهُمْ بِدَارِ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ وُقُوفُهُ فِي أَيِّهِمَا (لِمَصْلَحَةٍ) يَرَاهَا يَعُودُ نَفْعُهَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ كَإِرْشَادِ ضَالٍّ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَلَوْ وَاحِدًا أَوْ إنْقَاذِهِ مِنْ بَاطِلٍ أَوْ يَكُونُ مُعَلِّمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا لَا يَحْصُلُ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِوُقُوفِهِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ أَوْ يَكُونُ وُقُوفُهُ دَاعِيًا لِغَيْرِهِ إلَى نُصْرَةِ الْإِمَامِ وَالْقِيَامِ مَعَهُ أَوْ نَحْوِ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ الْمُقْتَضَيَاتِ لِأَرْجَحِيَّةِ الْوُقُوفِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ مَا لَمْ يُحْمَلْ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ.
(أَوْ) كَانَ تَرْكُ الْهِجْرَةِ مِنْ أَجْلِ (عُذْرٍ) نَحْوِ مَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ خَوْفِ سَبِيلٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّخَلُّفُ عَنْهَا. (وَيَتَضَيَّقُ) وُجُوبُ الْهِجْرَةِ (بِأَمْرِ الْإِمَامِ) فَإِذَا أَمَرَ الْإِمَامُ بِالْهِجْرَةِ لَمْ يَجُزْ لِلْمَامُورِينَ الْإِقَامَةُ وَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ مَصْلَحَةٌ عِنْدَهُمْ فِي وُقُوفِهِمْ إلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالنَّظَرِ فِي الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ فَنَظَرُهُ أَوْلَى مِنْ نَظَرِ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ الْوُقُوفُ لِلْمَصْلَحَةِ بَعْدَ مُطَالَبَتِهِ إلَّا لِعُذْرٍ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ كَمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ جَازَ الْوُقُوفُ.
(بَابُ الْأَمَانِ) . (سُئِلَ) عَنْ الْمُسْلِمِينَ السَّاكِنِينَ فِي وَطَنٍ مِنْ الْأَوْطَانِ الْأَنْدَلُسِيَّةِ يُسَمَّى أرغون وَهُمْ تَحْتَ ذِمَّةِ السُّلْطَانِ النَّصْرَانِيِّ يَاخُذُ مِنْهُمْ خَرَاجَ الْأَرْضِ بِقَدْرِ مَا يُصِيبُونَهُ فِيهَا وَلَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِمْ بِظُلْمٍ غَيْرِ ذَلِكَ لَا فِي الْأَمْوَالِ وَلَا فِي الْأَنْفُسِ وَلَهُمْ جَوَامِعُ يُصَلُّونَ فِيهَا وَيَصُومُونَ رَمَضَانَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيَفُكُّونَ الْأُسَارَى مِنْ أَيْدِي النَّصَارَى إذَا حَلُّوا بِأَيْدِيهِمْ وَيُقِيمُونَ حُدُودَ الْإِسْلَامِ جَهْرًا كَمَا يَنْبَغِي وَيُظْهِرُونَ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ عِيَانًا كَمَا يَجِبُ وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ النَّصْرَانِيُّ فِي شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِمْ الدِّينِيَّةِ وَيَدْعُونَ فِي خُطَبِهِمْ لِسَلَاطِينِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ شَخْصٍ وَيَطْلُبُونَ مِنْ اللَّهِ نَصْرَهُمْ وَهَلَاكَ أَعْدَائِهِمْ الْكُفَّارِ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَخَافُونَ أَنْ يَكُونُوا عَاصِينَ بِإِقَامَتِهِمْ بِبِلَادِ الْكُفْرِ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْهِجْرَةُ. وَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ إظْهَارِ الدِّينِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى أَمَانٍ أَنْ يُكَلِّفُوهُمْ الِارْتِدَادَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ عَلَى إجْرَاءِ أَحْكَامِهِمْ عَلَيْهِمْ أَوْ لَا تَجِبُ نَظَرًا إلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْحَالِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ إنْ رَجُلًا مِنْ الْوَطَنِ الْمَذْكُورِ جَاءَ إلَى أَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ إذْنِ أَبَوَيْهِ مَخَافَةَ أَنْ يَمْنَعَاهُ مِنْهُ فَأَدَّاهَا فَهَلْ حَجُّهُ صَحِيحٌ أَوْ لَا لِإِيقَاعِهِ بِغَيْرِ إذْنِ أَبَوَيْهِ وَهَلْ يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلَى أَبَوَيْهِ فِي الْوَطَنِ الْمَذْكُورِ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَطَنِهِمْ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى إظْهَارِ دِينِهِمْ بِهِ وَلِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ عُثْمَانَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إلَى مَكَّةَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى إظْهَارِ دِينِهِ بِهَا بَلْ لَا تَجُوزُ لَهُمْ الْهِجْرَةُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُرْجَى بِإِقَامَتِهِمْ بِهِ إسْلَامُ غَيْرِهِمْ وَلِأَنَّهُ دَارُ إسْلَامٍ فَلَوْ هَاجَرُوا مِنْهُ صَارَ دَارَ حَرْبٍ وَفِيمَا ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ إظْهَارِهِمْ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ وَعَدَمِ تَعَرُّضِ الْكُفَّارِ لَهُمْ بِسَبَبِهَا عَلَى تَطَاوُلِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةِ مَا يُفِيدُ الظَّنَّ الْغَالِبَ بِأَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْهُمْ مِنْ إكْرَاهِهِمْ عَلَى الِارْتِدَادِ عَنْ الْإِسْلَامِ أَوْ عَلَى إجْرَاءِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ عَلَيْهِمْ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ *. وَأَمَّا خُرُوجُ الرَّجُلِ لِحَجِّ الْفَرْضِ بِغَيْرِ إذْنِ أَبَوَيْهِ فَلَا حَرَجَ