فهرس الكتاب
لَهُ عَاقِلَةٌ فَعَجَزُوا عَنْ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ، فَإِنَّ بَيْتَ الْمَالِ يَتَحَمَّلُ بَاقِي الدِّيَةِ، وَلَا تُعْقَلُ عَنْ كَافِرٍ. وَنَبَّهَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّ إقْرَارَ الْجَانِي لَا يُقْبَلُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، كَمَا لَا يُقْبَلُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
هـ - الْإِنْفَاقُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ: لَيْسَ لِكَافِرٍ ذِمِّيٍّ أَوْ غَيْرِهِ حَقٌّ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. لَكِنَّ الذِّمِّيَّ إنْ احْتَاجَ لِضَعْفِهِ يُعْطَى مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ. وَفِي كِتَابِ الْخَرَاجِ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ مِمَّا أَعْطَاهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رضي الله عنه فِي عَهْدِهِ لِأَهْلِ الْحِيرَةِ: أَيُّمَا شَيْخٍ ضَعُفَ عَنْ الْعَمَلِ، أَوْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ مِنْ الْآفَاتِ، أَوْ كَانَ غَنِيًّا فَافْتَقَرَ، وَصَارَ أَهْلُ دِينِهِ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ طُرِحَتْ جِزْيَتُهُ، وَعِيلَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَعِيَالُهُ مَا أَقَامَ بِدَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ. وَنَقَلَ مِثْلَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ.
و - وَمِنْ مَصَارِفِ بَيْتِ مَالِ الْفَيْءِ أَيْضًا: فِكَاكُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ، وَنَقَلَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: كُلُّ أَسِيرٍ كَانَ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَفِكَاكُهُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَهُنَاكَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ فِكَاكَهُ فِي مَالِهِ هُوَ (ر: أَسْرَى) . وَشَبِيهٌ بِهَذَا مَا قَالَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَالِكَ الدَّوَابِّ - غَيْرِ الْمَاكُولَةِ - لَوْ امْتَنَعَ مِنْ عَلْفِهَا، وَلَمْ يُمْكِنْ إجْبَارُهُ لِفَقْرِهِ مَثَلًا يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَجَّانًا، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ الْمَوْقُوفَةُ إنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُ النَّفَقَةِ مِنْ كَسْبِهَا.
ز - الْمَصَالِحُ الْعَامَّةُ لِبُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ إنْشَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالطُّرُقِ وَالْجُسُورِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْأَنْهَارِ وَالْمَدَارِسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِصْلَاحِ مَا تَلِفَ مِنْهَا.
ح - ضَمَانُ مَا يَتْلَفُ بِأَخْطَاءِ أَعْضَاءِ الْإِدَارَةِ الْحُكُومِيَّةِ: مِنْ ذَلِكَ أَخْطَاءُ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَالْقَاضِي وَنَحْوِهِمْ مِنْ سَائِرِ مَنْ يَقُومُ بِالْأَعْمَالِ الْعَامَّةِ، إذَا أَخْطَئُوا فِي عَمَلِهِمْ الَّذِي كُلِّفُوا بِهِ، فَتَلِفَ بِذَلِكَ نَفْسٌ أَوْ عُضْوٌ أَوْ مَالٌ، كَدِيَةِ مَنْ مَاتَ بِالتَّجَاوُزِ فِي التَّعْزِيرِ، فَحَيْثُ وَجَبَ ضَمَانُ ذَلِكَ يَضْمَنُ بَيْتُ الْمَالِ. فَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ الْمُكَلَّفُ بِهِ لِشَانٍ خَاصٍّ لِلْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَسْئُولِينَ فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ الْخَاصِّ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ أَخْطَاءَهُمْ قَدْ تَكْثُرُ، فَلَوْ حَمَلُوهَا هُمْ أَوْ عَاقِلَتُهُمْ لَأَجْحَفَ بِهِمْ. هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَالْقَوْلُ غَيْرُ الْأَظْهَرِ لِلشَّافِعِيَّةِ. أَمَّا الْأَظْهَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَهُوَ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ. أَمَّا ضَمَانُ الْعَمْدِ فَيَتَحَمَّلُهُ فَاعِلُهُ اتِّفَاقًا.
ط - تَحَمُّلُ الْحُقُوقِ الَّتِي أَقَرَّهَا الشَّرْعُ لِأَصْحَابِهَا، وَاقْتَضَتْ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ أَنْ لَا يَحْمِلَهَا أَحَدٌ مُعَيَّنٌ: وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا لَوْ قُتِلَ شَخْصٌ فِي زِحَامِ طَوَافٍ أَوْ مَسْجِدٍ عَامٍّ أَوْ الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ، وَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ، فَتَكُونُ دِيَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه: لَا يَبْطُل فِي الْإِسْلَامِ دَمٌ، وَقَدْ تَحَمَّلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دِيَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ حِينَ قُتِلَ فِي خَيْبَرَ، لَمَّا لَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ، وَأَبَى الْأَنْصَارُ أَنْ يَحْلِفُوا الْقَسَامَةَ، وَلَمْ يَقْبَلُوا أَيْمَانَ الْيَهُودِ، فَوْدَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ *. وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أُجْرَةُ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ، فَلِلْقَاضِي أَنْ يُرَتِّبَ أُجْرَةَ تَعْرِيفِهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، عَلَى أَنْ تَكُونَ قَرْضًا عَلَى صَاحِبِهَا.
الْخَرَاجُ فِي الْإِسْلَامِ:
11 -لَمَّا آلَتْ الْخِلَافَةُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَازْدَادَتْ الْفُتُوحَاتُ الْإِسْلَامِيَّةُ، وَاتَّسَعَتْ رُقْعَةُ الدَّوْلَةِ، وَزَادَتْ نَفَقَاتُهَا، رَأَى عُمَرُ رضي الله عنه أَنْ لَا يَقْسِمَ الْأَرْضَ الْمَفْتُوحَةَ عَنْوَةً بَيْنَ الْفَاتِحِينَ، بَلْ يَجْعَلُهَا وَقْفًا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَيَضْرِبُ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِزِرَاعَتِهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا. فَوَافَقَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَخَالَفَهُ آخَرُونَ فِي بِدَايَةِ الْأَمْرِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَشَاوَرَهُمْ فِي قِسْمَةِ الْأَرَضِينَ الَّتِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ فَتَكَلَّمَ قَوْمٌ فِيهَا، وَأَرَادُوا أَنْ يَقْسِمَ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ وَمَا فَتَحُوا. فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: فَكَيْفَ بِمَنْ يَاتِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِدُونَ الْأَرْضَ بِعُلُوجِهَا قَدْ اُقْتُسِمَتْ وَوُرِثَتْ عَنْ الْآبَاءِ وَحِيزَتْ، مَا هَذَا بِرَايٍ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه: فَمَا الرَّايُ؟ مَا الْأَرْضُ وَالْعُلُوجُ إلَّا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا هُوَ إلَّا كَمَا تَقُولُ، وَلَسْت أَرَى ذَلِكَ، وَاَللَّهِ لَا يُفْتَحُ بَعْدِي بَلَدٌ فَيَكُونُ فِيهِ كَبِيرُ نَيْلٍ، بَلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ كُلًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا قُسِمَتْ أَرْضُ الْعِرَاقِ بِعُلُوجِهَا، وَأَرْضُ الشَّامِ بِعُلُوجِهَا، فَمَا يُسَدُّ بِهِ الثُّغُورُ، وَمَا يَكُونُ لِلذُّرِّيَّةِ وَالْأَرَامِلِ بِهَذَا وَبِغَيْرِهِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ؟ فَأَكْثَرُوا عَلَى عُمَرَ رضي الله عنه، وَقَالُوا: أَتَقِفُ مَا أَفَاءَ اللَّهُ بِأَسْيَافِنَا عَلَى قَوْمٍ لَمْ يَحْضُرُوا وَلَمْ يَشْهَدُوا، وَلِأَبْنَاءِ الْقَوْمِ وَلِآبَاءِ أَبْنَائِهِمْ وَلَمْ يَحْضُرُوا؟. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ بِلَالَ بْنَ