ذلك وأنصفوا لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه؛ لأن الله تعالى يقول:"هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا"إلى قوله"الفاسقين" [الحشر: 2] فأخبر عن بني النضير وبني قينقاع. ثم قال:"وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء"فأخبر أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يوجف عليه حين خلوه. وما تقدم فيهم من القتال وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه وانقطع ذلك الأمر. ثم قال:"ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل"وهذا كلام غير معطوف على الأول. وكذا"والذين تبوؤوا الدار والإيمان"ابتداء كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم؛ فإنهم سلموا ذلك الفيء للمهاجرين؛ وكأنه قال؛ الفيء للفقراء المهاجرين؛ والأنصار يحبون لهم لم يحسدوهم على ما صفا لهم من الفيء. وكذا"والذين جاؤوا من بعدهم" [الحشر: 10] ابتداء كلام؛ والخبر"يقولون ربنا اغفر لنا" [الحشر: 10] .
وقال إسماعيل بن إسحاق: إن قوله"والذين تبوؤوا الدار""والذين جاؤوا معطوف على ما قبل، وأنهم شركاء في الفيء؛ أي هذا المال للمهاجرين والذين تبوؤوا الدار. وقال مالك بن أوس: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية"إنما الصدقات للفقراء" [التوبة: 60] فقال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ"واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه"فقال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ"ما أفاء الله على رسوله - حتى بلغ - للفقراء المهاجرين"،"والذين تبوؤوا الدار والإيمان"،"والذين جاؤوا من بعدهم"ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه. وقيل: إنه دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه من ذلك، وقال لهم: تثبتوا الأمر وتدبروه ثم أغدوا علي. ففكر في ليلته فتبين له أن هذه الآيات في ذلك أنزلت. فلما غدوا عليه قال: قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة "الحشر"وتلا"ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى - إلى قوله - للفقراء المهاجرين"فلما بلغ قوله:"أولئك هم الصادقون" [الحجرات: 15] قال: ما هي لهؤلاء فقط. وتلا قوله:"والذين جاؤوا من بعدهم"إلى قوله "رؤوف رحيم" [الحشر: 10] ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك. والله اعلم."
روى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال: لولا من يأتي من آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر. وفي الروايات المستفيضة من الطرق الكثيرة: أن عمر أبقى سواد العراق ومصر وما ظهر عليه من الغنائم؛ لتكون من أعطيات المقاتلة وأرزاق الحشوة والذراري، وأن الزبير وبلالا وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم؛ فكره ذلك منهم واختلف فيما فعل من ذلك؛ فقيل: إنه استطاب أنفس أهل الجيش؛ فمن رضي له بترك حظه بغير ثمن ليبقيه للمسلمين قلة. ومن أبى أعطاه ثمن حظه. فمن قال: إنما أبقى الأرض بعد استطابة أنفس القوم جعل فعله كفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قسم خيبر، لأن اشتراءه إياها وترك من ترك عن طيب نفسه بمنزلة قسمها. وقيل: إنه أبقاها بغير شيء أعطاه أهل الجيوش. وقيل إنه تأول في ذلك قول الله سبحانه وتعالى:"للفقراء المهاجرين - إلى قوله - ربنا إنك رؤوف رحيم"على ما تقدم. والله اعلم.
واختلف العلماء في قسمة العقار؛ فقال مالك: للإمام أن يوقفها لمصالح المسلمين. وقال أبو حنيفة: الإمام مخير بين أن يقسمها أو يجعلها وقفا لمصالح المسلمين. وقال الشافعي: ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم، بل يقسمها عليهم كسائر الأموال. فمن طاب نفسا عن حقه للإمام أن يجعله وقفا عليهم فله. ومن لم تطب نفسه فهو أحق بمال. وعمر رضي الله عنه استطاب نفوس الغانمين واشتراها منهم.
قلت: وعلى هذا يكون قوله:"والذين جاؤوا من بعدهم" [الحشر: 10] مقطوعا مما قبله، وانهم ندبوا بالدعاء للأولين والثناء عليهم.
قال ابن وهب: سمعت مالكا يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق فقال: إن المدينة تبوئت بالإيمان والهجرة، وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف؛ ثم قرأ"والذين تبوؤوا الدار والإيمان"