الصفحة 11 من 22

والذي نحتاجه حقًا أن نكون ربانيين، فنتعلم العلم لنعمل به، ثم ندعو إليه، ونصبر على الأذى والجهد في سبيل العمل به وتبليغه. فإن ما يفتقده كثير من شباب أمتنا اليوم: العلم الشرعي المستمد من كتاب ربنا وسنّة نبينا -عليه الصلاة والسلام- على فهم سلفنا الصالح -رحمهم الله-. وما يفتقده كثير من طلبة العلم بيننا النية الصادقة في طلب العلم التي تُفضي إلى العمل بهذا العلم، فينشأ جيلٌ عاملٌ آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر مصلحٌ لما أفسده المفسدون، مكملٌ لمسيرة المصلحين من سلف الأمة الصالحين. فإن عارضه عارض أو أصابه أذى ومكروه كان ثابتًا ثبات الجبال الرواسي، لا تُزحزحه الخطوب ولا تهزّ كيانه رياح الهبو.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل؛ فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان) .

قال الحسن البصري -رحمه الله-:"إذا شئت أن ترى بصيرًا لا صبر له رأيته، وإذا شئت أن ترى صابرًا لا بصيرة له رأيته، فإذا رأيت بصيرًا صابرًا فذاك، قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ} ".

فالأخذ بأسباب القوة والهدى من قوّة الإيمان بالله، واليقين بموعوده بالتمكين في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة.

وفي كلام الشيخ البصير والعالم النِّحرير ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- الآنف الذكر بيانٌ شافٍ وافٍ لكيفية الصَّيرورة للربانية المطلوبة، والتي يُصبح المرء بها على بينة من أمره، قادرٌ بإذن الله على حَمْل ثِقل دعوته، نافع لنفسه ولأمته.

فما أكثر ما نسمع في هذه الأيام من كثير من الناس جملة:"لم نعد ندري أين الحق ومع من هو!"؛ وسبب هذه الحيرة وعدم الاهتداء إلى الحق والصواب ليس في عدم وضوحه وجلائه، ولكن في فساد مصادر التلقّي والمرجعية عند كثير منا. فبدل أن نتلقَّى الدين والأحكام من كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتكون مرجعيتنا في فهم الوحيين السلف الصالح، والعلماء الربانيون بيننا، المتمسّكون بفهم سلفنا الصالح، ممن تعلموا العلم وعملوا به وبلّغوه كما تعلّموه، وعندما ابتُلوا بسبب هذا العلم وتبليغه صبروا وضحّوا. بل أصبحت مصادر التلقي عندنا -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت