في (أَفْعَل) هنا على حدِّ ما هو في: ما رأيتُ رجلًا أحسنَ في عَيْنهِ الكحل منه في عينِ زيدٍ، لأن المنفىَّ هنا هو المَزِيَّةُ خاصة، وهناك المزيةُ والمساواة معًا، فصارت مسألة: (ما رأيتُ رجلًا أحسنَ في عَيْنهِ بكُحْلُ منه في عَيْنِ زيدٍ) تُؤَدي من المعنى ما لا يؤدي غيرُها من العبارات السابقة.
ولذلك لا يقال: إنه يمكن في الموضع عبارةٌ أخرى تؤدِّي المعنى، وذلك أن/ تقول ... 579 ك ما رأيتُ رجلًا الكحُل في عينه منه في عِين زيد، ولا تحتاج إلى إخراج (أَفْعَل) عن بابه إلى رفع الظاهر، لأنا نقول: إن هذا الكلام لا يفيد ذلك المعنى، وإنما يُفيد نفَي المزية، لا نفي المزية والمساواة معًا، فالضرورة مُلْجِئة إليه.
فإن قيل: فهل يمكن جَعْلُ (الكُحْل) مبتدأ خبرهُ (أَحْسَنُ) فلا يُتكَلَّف القولُ برفعه الظاهر، كما لمي ُتَكَلَّف ذلك في: مررتُ برجلٍ خيرٍ منه أبوه، على عامة اللغات؟ قيل لا، لأن ما أمكن في (( خيرٍ منه أبوه ) )لا يمكن في مسألتنا، إذ لو جعلتَ (الكُحْل) مبتدأً خبرهُ (أحسنُ) لزم الفصل بالمبتدأ بين (أَفْعَلَ) و (مِنْ) وهما بمنزلة المضاف والمضاف إليه. وقد حصل أن القيد الذي ذكره الناظم، وهو معاقبةُ الفعل، كافٍ في المسألة، لكم المثال عَيَّنَ موضعَ ذلك حتى يُحْذَى حَذْوَه (1) .
وله في (( التسهيل ) )قيودٌ لفية ضابطة لموضع الكثرة، يشير إليها مثالثه، وجملتها ثلاثة (2) :
(1) يقال: حَذَا فلان حذوَ فلان، إذا فعل فعله، وفلان يَحَتذي على مثال فلان، إذا اقتدى به في أمره.
(2) التسهيل: 135، والقيود الثلاثة التي ذكرها النظم هنالك تتمثل في قوله: (( لا يرفع أفعل التفضيل، في الأعرف، ظاهرا إلا قبل مفضول هو هو، مذكور أو مقدر، وبعد ضمير مذكور أو مقدر مفسر، بعد نفي أو شبهه يصاحب(أفعل ) )) وسيفصَّل الشاطبي القول في هذه القيود الثلاثة فيما يلي.