ما رأيتُ امْرَأَ أَحَبَّ إليه الْ
بَذْلُ منه إليكَ با ابنَ سَنَانِ
فهذا ونحوه كثيرٌ في كلام العرب، لأن الفعل فيه يُعاقب (أَفْعَلَ) على معناه. ألا ترى أنك تقول: ما رأيتُ رجلًا يُبْعضُ الشرَّ مِثْلَهِ، ولا رأيتُ رجلًا يَحْسُنُ في عينه الكحُل كحُسْنه في عيْنه، ولا أرَى كوادِي السباعِ واديًا يَقِلُّ به ركبٌ.
وهذا ظاهر، ولذلك قَدَّره سيبويه باسم الفاعل، إذ قَدَّر: ما رأيتُ رجلًا عاملًا في عينيه الكحُل، وما رأيتُ رجلًا مُبغضا إليه الشَرُّ (1) .
فلو كان الفعل إذا عاقب (أَفْعَلَ) لا يُعْطِي معناه لم يَكْثر في الكلام، وإنما يكون نادرا من القسم الأول، كقولك: مررتُ برجلٍ أكرمَ منه أبوه.
لو قلت: مررتُ برجلٍ يَكْرُم، أو كَرُمَ عليه أبوه-لتغيَّر المعنى، وكذلك إن قلت: رأيتُ رجلًا أَحْسَنَ في عَيْنيْه الكحُل منه في عينِ زيدٍ، فأتيتَ بالفعل- فَسَد المعنى المقصود من (أَفْعَل) إذ لم يَبْق مع الفعل معنى التفضيل.
ونظيرُ (أَفْعَلَ) هنا اسم الفاعل بمعنى الماضي إذا صَحِب الألف واللام، فإنه كان قبلها لا يعمل لفَقْد شَبَه الفعل، فلما دخلت صار بذلك نائبًا عن الفعل، إذ هو مُعاقِب في الصلة للجملة كما تقدم، فعمل بعد أن لم يكن عاملا، فلذلك لم يعمل في الإيجاب إلا نادرا.
وكذلك إذا قلت: ما الكحُل في عينِ زيدٍ أحسنَ منه في عين عمروٍ- لا يُعاقِب هذا الفعلُ (أَفْعَل) على معناه فلا يَرفع ظاهرا، ولا المعنى أيضًا بموجود
(1) الكتاب 2/ 31، وعبارة سيبويه بتمامها (( فكأنك قلت: ما رأيت رجلا عاملا في عينه الكحُل كعمله في عين زيد، وما رأيت رجلا مبغضا إليه الشر كما بُغَّض إلى زيد ) ).