في ظل الحرب الباردة بين القطبين لم تكن حركات التحرر المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي إلا حركات إرهابية، في حين كانت الحركات الانقلابية المسلحة التي تدعمها الولايات المتحدة وحلفاءها تحظى بتسمية «مقاتلون من أجل الحرية» . لكن الثابت، موضوعيا وتاريخيا، أنه حتى سقوط الاتحاد السوفييتي سنة 1992 لم يكن أحد يتحدث عن «الإرهاب» و «حقوق الإنسان» أكثر من الولايات المتحدة والدول الغربية أو تلك الدول التي تدور في فلك الرأسمالية العالمية. أما بعد ذلك، حيث صعدت القوى الإسلامية الجهادية، المحلية أو ذات التوجه العالمي، فقد بات الأعداء والخصوم والانتهازيين من شتى الأطياف الأيديولوجية والعقدية، حتى المصنفة على قوائم الإرهاب الأمريكية والدولية، يستعملون مفهوم «الإرهاب» بلا أية روادع تذكر. فبالنسبة لهم فـ «الإرهاب» هو كذلك عقديا وشرعيا وسياسيا وقانونيا وجغرافيا وقيميا وأيديولوجيا وثقافيا ومعرفيا واقتصاديا وتجاريا ورأيا وشكلا ولونا كما لو أنه في طريقه لٍأن يصبح، بين عشية وضحاها، بيولوجيا!!!
كانت هذه الاستعمالات، ولمّا تزل، تنسحب تلقائيا على المسلمين، وحتى قبل أية تحقيقات، سواء كانوا معنيين بالأمر أو غير معنيين ... أبرياء وضحايا أو متهمين ومدانين .. مشاركين فاعلين أو طارئين .. راضين أو ساخطين .. محذرين أو منفذين .. بل أن هذه الاستعمالات طالت، مثلما صدرت عن، مفكرين وباحثين وإعلاميين وسياسيين وعلماء وناشطين. فالمسلم هو بالضرورة (1) إرهابي من حيث المبدأ، و (2) من حيث التنفيذ، و (3) من حيث الدعم والمناصرة، و (4) كعالم شرعي، و (5) كباحث أو إعلامي .. إلى ما لا نهاية من التصنيفات والاتهامات، التي يتبعها قتل واغتيالات واختطاف واعتقالات وسجون ومطاردات ومضايقات وضغوطات وتهديدات وحرمان، وما إلى ذلك من وسائل القمع والاستبداد. باختصار؛ وسواء كان فردا أو جماعة أو شعبا أو مؤسسة أو دولة، فإن بريء اليوم هو إرهابي الغد، ولو باستنطاق النوايا واستدراج القلوب!!
غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 أعلن الرئيس الأمريكي، جورج بوش الابن، حربا صليبية على العالم الإسلامي: «هذه الحرب الصليبية، هذه الحرب على الإرهاب، سوف تستغرق بعض الوقت» (1) ، ثم تساءل: «لماذا يكرهوننا؟» ، لكنه لم يتساءل قط: «لماذا نقتلهم أو نغزوهم أو نستعبدهم؟ أو لماذا نعلن حربا صليبية عليهم» ؟ في 18/ 9/2015 وأمام «قمة واشنطن لمكافحة التطرف العنيف - 17 - 19/ 9/2015» ، أجاب الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، بعبارة يتيمة قائلا: «من الواضح أن هناك تاريخا معقدا بين الشرق الأوسط والغرب، وما من أحد بيننا محصن من الانتقاد بهذا الشأن ... » (( ) !! لم يقل «أمريكا» بل «الغرب» . لأنه يعلم ماذا فعل ولمّا يزل. فالصراع لم يتوقف، والتاريخ تجري وقائعه الدامية كل حين، والمسألة لا تتعلق بانتقاد أو بعض اللوم، لاسيما حين يصدر من نفسٍ عدوانية شريرة. وكما هي العنصرية المتجذرة تضرب في الولايات المتحدة الأمريكية بلا هوادة، كذلك الأمر، مع فارق الخلفيات، فإن العداء المستحكم ضد الإسلام لن يتوقف، لأنه ببساطة الوحيد القادر على خوض الصراعات الكونية وتهديد قوى الظلم حتى وهو تحت «الحكم الجبري (= الهيمنة) » .