المبحث الأول
محاربة الإسلام والهيمنة
لا ريب أن الأمريكيين وقوى النظام الدولي يدركون إدراكا تاما أن من يصفونهم بـ «الإرهابيين» ، من أي تصنيف كانوا، حتى لو تعلق الأمر بالثورات الشعبية، إنما يصارعون للإفلات من قوى الاستبداد والهيمنة الدولية. ولأن الصراع يتعلق بلحظة إفلات يمكن أن تعم العالم الإسلامي، وفي القلب منه العالم العربي، فإن إحكام الهيمنة عليه لا تسمح بلحظة تنفس ولو يتيمة، وإلا فقد تدفع الحضارة الغربية ثمنا باهظا في تفوقها وهيمنتها، ومعها كل أدوات القوة والتحكم والسيطرة التي تمتلكها وترعاها في شتى أنحاء العالم. بهذا المعنى يكاد يكون من شبه المستحيل أن يتخلى النظام الدولي عن الهيمنة، بما يسمح للعالم العربي أن يتحكم بمصيره. ولأنه ما من معنى للعالم العربي خارج العقيدة، فستبقى المشكلة كامنة في الإسلام، باعتباره الهوية الأشد رسوخا ودينامية، في العقل العربي من العروبة ذاتها.
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 طفت مشكلة المسلمين في العالم الغربي على السطح، ولأنهم لم يرحلوا ولم يذوبوا في المجتمعات الغربية، فقد أعلنت عدة دول أوروبية رسميا، فيما يتعلق بالمسلمين، عن فشل ما يسمى بـ «التعددية الثقافية» ، واتجهت نحو الانتقال فقط، وفي أحسن الأحوال، إلى الحديث عن «الاندماج الاجتماعي» . وفي السياق، وفضلا عن الأقوال والأبحاث والدراسات التاريخية والمعاصرة للمستشرقين الأوروبيين، ومواقفهم الصريحة في محاربة الإسلام، بدا الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، وكأنه آخر المتحدثين بعد نظيريه البريطاني، ديفيد كاميرون، والمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، حين نقلت قناة «france 24 Error! Hyperlink reference not valid. - 10/2/2011» الفرنسية عنه أقوالا في برنامج تلفزيوني لا تقبل الجدل، عبّر عنها آخرون من قبل ومن بعد، وجاء فيها: «ينبغي أن يتمكن مواطنونا المسلمون أن يعيشوا ويمارسوا دينهم، كأي مواطن آخر ... لكن لا يمكن أن يكون ذلك إلا إسلاما فرنسيا، وليس إسلاما في فرنسا» ، ويبدو أن ساركوزي استوحى توصيفه المفضل للإسلام من مصطلح «إسلام الأنوار» ، الذي سبق وصكه مواطنه، المستشرق جاك بيرك. ومع ذلك فلم يصمد توصيفه الحداثي المستعار طويلا. ففي تعليقه على صلاة المسلمين في الساحات العامة قال الرئيس الفرنسي: «الصلاة لا تغيظ أحدا ولكن لا نريد ... دعوة دينية عدائية» . وبالمعنى الدقيق لتصريحاته هذه، فالدين الإسلامي، وليس الصلاة فحسب، هو «دعوة دينية عدائية» ، ولأنه كذلك بنظرهم فهو «مسألة وجودية» .
بعد الهجوم على صحيفة «شارلي إبيدو - 7/ 1/2015» الفرنسية، و «هجمات باريس - 25/ 11/2015» ، استعادت فرنسا خطابها العدائي للإسلام والمسلمين، وطالبت ثانيةً، عبر وزير الداخلية، برنار كازنوف، بالعمل على تطوير «إسلام مستنير» . وخلال اجتماعه مع مسؤولين مسلمين من عشرة اتحادات إسلامية وخمسة مساجد كبيرة لإدانة هجمات باريس حاطب الوزير الفرنسي المجتمعين قائلا: «إن مسؤوليتكم إحياء هذا الإسلام المستنير لنبذ النفاق الروحي للإرهابيين ومن يتبعونهم ... أنتم الأفضل شرعية وتأهيلا لمحاربة تلك الأفكار القاتلة، علينا حماية شباننا من انتشار هذا الحمق، فكروا فقط في التأثير الذي يمكن أن يقدمه هذا الإسلام التقدمي لبقية الإسلام في العالم» Error! Hyperlink reference not valid .. غير أن المسألة، وعبر «الإسلاموفبيا» التي اجتاحت العالم الغربي، لم تتوقف فقط عند الإسلام حتى بدت اللغة العربية بعينها، وكل لغة يتحدث بها المسلمون، وكأنها «دعوة عدائية» . ففي 19/ 2/2016 قرر عمدة مدينة ميغان