الصفحة 17 من 32

المبحث الثاني

واقع الإرهاب

المعادلة التي تحكم العلاقة بين الغرب والمسلمين تقضي بأن كل اعتداء يتم نسبته لمسلمين أو فيه تعريض حياة الآخرين للخطر، صغر أو كبر، حقيقة أو زعم، شبهة أو تهمة، هو بالضرورة «إرهاب إسلامي» . ولما يكن الأمر كذلك فهو من النوع الذي فيه، أو ينطوي على، تهديد مباشر لـ « (1) قيم الحضارة الغربية» أو (1) «نمط الحياة» أو (3) «الأمن والسلم الدوليين» أو (4) «الهوية» ، وما إلى ذلك من التوصيفات التي تصل إلى حد «التهديد الوجودي» . في المقابل فإن أي اعتداء يتم نسبته لغير المسلمين، لاسيما إنْ كان المنفذ من البيض، فهو بالضرورة «فعل جنائي فردي» ، أيًّا كان حجم الجريمة المرتكبة وخلفياتها ومبرراتها. أما الفاعل الجنائي فهو، في أحسن الأحوال، موضع اشتباه، حتى لو انتمى الدولة أو الجيش أو المن أو إلى جماعة عنصرية أو فاشية أو نازية أو مصنفة إرهابية.

بطبيعة الحال يكمن الفرق في التوصيف بكون «الإرهاب الإسلامي» ينطوي على خطر «التهديد الوجودي» للفرد والمجتمع والدولة، في حين ينتفي مثل هذا الخطر في حالة التصنيف الجنائي، مهما بلغ عدد الضحايا لما يسمى بـ «الجرائم الجنائية» ، ومهما كان نوع الجريمة أو حجمها. هنا تغدو المعادلة منسجمة من جهة مع (1) الثقافة السياسية والاجتماعية السائدة في الغرب، ومع ما يسمى بـ (2) القيم الغربية التي لا تعترف بتهمة «ازدواجية المعايير» في مؤسساتها وأحكامها وأدواتها وقوانينها ومواقفها وأخلاقياتها. لكن مما لا ينسجم مع هذه المعادلة المختلة بنيويا أنها تعترف، من حيث لا ترغب، بالخلفية السياسية لكل ما يعتبر بموجبها «جرائم إرهابية» .

مع ذلك فإن السؤال المطروح هو: مع كل التحفظ على التصنيفات الغربية، لاسيما الأمريكية منها، لمفهوم «الإرهاب» (31) والجرائم الواقعة في إطاره؛ فـ «هل المسلمون من دون الأمم والشعوب والمكونات الاجتماعية، العرقية والإثنية والطائفية والدينية، هم وحدهم الممارسون للإرهاب أو المرشحون للوقوع فيه، إلى الحد الذي يستحقون فيه كل هذا التشوية والتحريض والكراهية فضلا عن تنظيم الحملات الدولية المسلحة، سياسيا وعسكريا وأمنيا وإعلاميا وفكريا، ضد العالم الإسلامي؟» .

بالتأكيد الجواب المنطقي بالنفي. وكذا الأمر فيما يتعلق بالجواب الموضوعي. وهو ما تتحدث عنه حتى التقارير الإحصائية التي تصدرها وزارة الدفاع الأمريكية، ومكتب الشرطة الأوروبية. وفيها ما يذهل العقول، خاصة إذا ما قورنت الأرقام الواردة بواقع السياسات الرسمية، وتوجهات وسائل الإعلام، ونخب الفكر في العالم الغربي، إلى الحد الذي لا يمكن وصفها بأقل من أبشع أشكال الإرهاب الدولي الرسمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت