الصفحة 26 من 32

كان النص محاولة استطلاعية مبدئية، تستهدف التوقف قليلا، ومن خلال الميديا الإعلامية الأمريكية الراهنة، عند حقيقة ما يسمى بـ «التهديد الوجودي» ، الذي هو فقط يعتبر إرهابا من وجهة نظر القوى الغربية. وهذا النوع من التهديد يشمل بالضرورة الأفراد والمجتمع والدولة وكذا المؤسسات. وينطوي على استهداف القوى السياسية العظمى ورموز النظام الدولي ومؤسساته وتجريدها من أدوات القوة والسيطرة والتحكم. وتغيير معادلة السلطة والنظام القائمين، سواء على مستوى السياسي أو الجغرافي، أو في مستوى نظم التشريعات القانونية والدستورية، أو مستوى النظم الاقتصادية والتجارية والمالية، أو في مستوى نظم المعرفة والثقافة والإعلام والاتصال، أو في مستوى نظم القيم والأخلاق. هنا، وبهذا المحتوى، ينبغي مواجهته محليا ودوليا وأينما كان قبل أن يستفحل خطره.

في هذا الإطار لا تشكل شبكات الإرهاب الدولي (دول، نظم سياسية، أفراد، مؤسسات، تنظيمات مسلحة أو غير مسلحة، أدوات، أفكار، إعلام، ثقافات، علاقات، عقائد، تطلعات، وحتى طموحات شعبية ... ) مخاطر وجودية، إذا كانت تهديداتها تنطوي على حقوق محلية أو تعبيرا عن احتجاجات ذات طابع سياسي أو أيديولوجي أو مطالب سياسية أو في إطار الصراع على تقاسم السلطة والموارد أو حتى حركات تحرر وطني ... ولعل أوضح الأمثلة على ذلك الجماعات الشيعية المسلحة التي لم توضع أيا منها على أية قائمة إرهاب أمريكية أو أوروبية أو دولية، كما لو يوضع أي نظام سياسي قاتل أو شخصية دموية في أي نظام سياسي عربي على قائمة الإرهاب، حتى لو هدد أو مارس القتل والتدمير والانتهاكات على أوسع نطاق. لكن هذه الشبكات تغدو إرهابية إذا هددت بنية النظم الدولي كحالة الصراع مع اليهود أو الثورة السورية مثلا. ففي مثل هذه الحالات، ورغم أنها لما تزل واقعة أو محاصرة في الإطار الوطني، فإن التدخل يغدو حتميا بأية وسيلة كانت، وتحت أي غطاء سياسي أو أيديولوجي، حتى لو تطلب الأمر استعمال آخر الأوراق بصورة فاضحة، ودون أي حرج، كشعارات «الحرب الصليبية» (أمريكا) أو «الحرب المقدسة» (روسيا) أو «الحرب الوجودية» (إيران وحزب الله) .

الحروب الوجودية، حتى لو كانت على مستوى طاغية يتشبث بالسلطة، هي بالضرورة حروب مصيرية. حيث لا محل خلالها للحديث عن رأي عام، ولا عن أية منظومة تشريعية أو أخلاقية أو إنسانية، ولا عن أية معايير حقوقية أو إنسانية. ففيها تُدمر البلاد، وتُسفك الدماء، وتشيع الانتهاكات بحق الإنسان، بلا أية روادع تذكر، سواء كان الضحية جنينا أو طفلا أو صبيا أو شابا أو كهلا أو عجوزا طاعنا في السن، ذكورا وإناثا، وبأبشع الوسائل والأدوات، حيث لا محرمات ولا مشروعات.

ومن اطلع على وقائع الحروب بين الأمم والشعوب لا بد وأنه يدرك أن هناك من انقرض من مثل هذه الحروب الوجودية. وبالأمس القريب جدا وقعت حربين عالميتين قتل فيهما ما لا يقل عن 100 مليون إنسان، ومسحت مدن من على وجه الأرض، وصنعت الولايات المتحدة الأسلحة الذرية لاستعمالها، وإسقاطها على مئات الآلاف من الأبرياء العزل، بدعوى ثبت تهافتها وهي إجبار اليابان على الاستسلام. ويكفينا شهادات عالم اللسانيات، نعوم تشومسكي وغيره، عما جرى من ذبح لعشرات الملايين في العالم الثالث خلال القرن العشرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت