وقد تقدم في الحديثين الذي قبل هذا أن الجرح مقدم على التعديل بالإجماع وعليه يكون السند ضعيفًا.
وأما احتجاج الشيخين به في صحيحيهما فلا يلزم منه أن تكون روايته صحيحة مطلقا لاحتمال فقد شرط من شروطهما ونحو ذلك.
يقول الحافظ المزي والحافظ الزيلعي في هذا المعنى: (لكن للشيخين شروط في الرواية عمن تكلم الناس فيه. منها أنهم لا يرون عنه إلا ما توبع عليه وظهرت شواهده وعلموا أن له أصلا. فلا يروون عنه ما انفرد به أو خالفه فيه الثقات. وهذه العلة قد راجت على كثير من الحفاظ لاسيما من استدرك على الصحيحين كأبي عبدالله الحاكم فكثيرًا ما يقول:(وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين أو أحدهما مع أن في هذه العلة إذ ليس كل حديث احتج براويه في الصحيح يكون صحيحا إذ لا يلزم من كون راويه محتجًا به في الصحيح أن يكون كل حديث وجدناه له يكون صحيحا على شرط صاحب ذلك الصحيح لاحتمال فقد شرط من شروط ذلك الحافظ) [1] اهـ.
فانظر - رحمك الله - إلى نقل هذين الإمامين رحمهما الله هذه الفائدة العظيمة الجليلة في شرط الشيخين رحمهما الله فيمن تكلم فيه وهي أنهما لا يرويان عنه ما انفرد به أو خالفه فيه الثقات.
ولما عيب على مسلم إخراج حديث أبي قدامة الحارث بن عبيد في صحيحه, قال ابن القيم رحمه الله: (ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه, كما يطرح من حديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه. فغلط في هذا المقام من استدرك عليه أخراج جميع حديث الثقة ومن ضعف جميع حديث سيء الحفظ فالأولى طريقة الحاكم وأمثاله. والثانية طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله. وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن. والله المستعان) اهـ [2] .
(1) - عزاه إليهما محمد جمال الدين القاسمي في قواعد التحديث ص (198) .
(2) - زاد المعاد في هدي خير العباد (فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في سجود القرآن) (1/ 364) .