ولذا فإنني أنصح أولئك بالأناة والتريُّث وإتهام الرأي، والحرص على بناء عقلياتهم العلمية فيما قصدوه من مسائل، قبل أن يتصدروا مجالس زملائهم بالفتيا. وقبل إتهام مخالفيهم بمخالفة السنة، ورميهم لهم بالتقليد المذهبي، وربما يكون الحق مع مخالفيهم.
كما يجب على الناظر في الأدلة الشرعية احترام آراء إخوانه والعناية بفهم أدلتهم فهمًا صحيحًا حتى يمكنه الوصول إلى أرجح الآراء وأدقها.
هذا ومن المسائل التي دار النقاش حولها في الأوساط الشبابية، والمجالس العلمية في الآونة الأخيرة: مسألة قصر الصلاة لمن سافر من وطنه ما لم يرجع إليه وإن أقام السنين الطويلة.
وهي مسألة قديمة، عرفت عن بعض الطوائف الإسلامية إلا أنها الآن لم تبق مدوَّنة في الكتب العلمية بل ظهرت إلى الميدان العملي، وذلك أن كثيرًا من الشباب قد عمل بهذا القول، وربما دعا إليه، خصوصًا من المغتربين للدراسة في داخل المملكة، وخارجها، وبالأخص ممن لهم عناية بالسنة وأقوال الصحابة وفتاويهم.
لذا رأيت من الواجب القيام بدراستها دراسة علميَّة، مبنية على التحقيق اللغوي، والدراسة الإسنادية، مع استقصاء الأدلة والتوفيق بينها، ثم تحرير مذهب أشهر من نسب إليه القول بهذا من الصحابة -- رضي الله عنه - - والإجابة على ما طُرح من تساؤلات.
وقد عُنِيتُ بتحليل مقالات أشهر المفتين في هذه المسألة تحليلًا علميًا، يكشف بإذن الله لمن وقف عليه جانب الصواب في هذه المسألة التي تتعلق بركنين عظيمين من أركان الإسلام، حيث قصر بسببها من يجب عليه الإتمام، وأفطر من يجب عليه الصيام والله الهادي إلى الصواب.
هذا وقد بنيت هذا البحث على الخطة التالية:
المقدمة: بينت فيها سبب بحث هذا الموضوع.
التمهيد: قد عنيت فيه بالتعريف بالألفاظ اللغوية التي لفهم مدلولها أثر في معرفة الرأي الراجح من المرجوح.