فالعلم يقصر التعبير عن كنه فضله، وعلو مرتبته، ويكفي في هذا أنَّ جميع الأقوال والأفعال والإرادات متوقفة في صحتها وفسادها، وكمالها ونقصانها، وفي جميع صفاتها على العلم. ما حَكَمَ به العلم من ذلك فهو كما قال، وإنَّ العلم نور للصدور وحياة للقلوب، به يعرف الله، وبه يُعبد، وبه يعرف الحلال من الحرام، والطيِّب من الخبيث، وبه يميّز بين الأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار.
والعلم يقوِّم ما اعوجّ من الصفات، ويكمِّل ما نقص من الكمالات، ويسد الخلل، ويصلح العمل، وبه صلاح الدين والدنيا، وبضده فساد ذلك ونقصه. العلم ميراث الرسول، والعلماء ورثة الأنبياء، فإنَّ الأنبياء لم يورثوا إلا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، ولولا العلم لكان الناس كالبهائم، والحاجة إلى العلم أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب.
والعلم النافع هي كذا في الأصل، ولعلها:"والعلوم النافعة هي ....". العلوم الشرعية، وما أعان عليها من علوم العربية بأنواعها. ومن العلوم الشرعية تعلُّم الفنون المعينة على الدين، وعلى قوة المسلمين، وعلى الاستعداد للأعداء للمقاومة والمدافعة، فإنَّها داخلة في الجهاد في سبيل الله، فكلُّ أمرٍ أمرَ به الشارع، وهو يتوقف على أمور كانت مأمورًا بها، والله أعلم في الأصل بعد والله أعلم زيادة"والعلوم الضارة كالسحر ونحوها مما هو ضرر محض"، وهي جملة غير تامة. .
التوسط في كلِّ الأمور والاعتدال والاقتصاد
هذا الخلق الجليل قد دلّ عليه القرآن في آيات كثيرة عامة وخاصة:
فمن العامة: الأمر بالعدل والقسط في عدة آيات، والإخبار بأنَّ هذه الأمة وسَط وذلك في كلِّ أمورها، فهم وسط في الإيمان بالأنبياء، والقيام بحقوقهم بين من غَلوا فيهم حتى جعلوا لهم أو لبعضهم من حقوق الله الخاصة ما جعلوه، من الغلو فيهم والعبادة لهم، وبين من جفوهم، فكفروا ببعضهم أو لم يقوموا بحقهم.