وهذه الأمة ولله الحمد آمنت بكلِّ رسول أرسله الله، واعترفت بجميع ما فضّلهم الله به، وخصهم به من المزايا والخصائص التي جعلتهم أرفع الخلق في كلِّ صفة كمال، ولم يغلوا فيهم.
وهم وسَط بين من حرَّم الطيبات من الرهبان المتعبدة والمشركين. الذين حرموا ما لم يأذن به الله اتباعًا لخطوات الشيطان، وبين من استحل المحرمات والخبائث، بل اتبعوا النبي الأمي الذي يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليها الخبائث.
وقد أمر الله بالتوسط والاعتدال في النفقات في قوله: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء:26] {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} [الإسراء:29] وأثنى على المتوسطين فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67] ، وهذا يشمل النفقة على النفس والأهل والعيال والمماليك من الآدميين والبهائم في جميع وجوه الإنفاق.
فإنَّ هذه الحال فيها اعتدال خلق الإنسان وكمال حكمته، حيث قام بالواجبات، وبما ينبغي وترك ما لا ينبغي.
ومن فوائد ذلك أيضًا: أنَّ في الاعتدال سرَّ بركة، وما عال من اقتصد، وأنَّه يمنع العبد الندم، فإنَّ المسرف في الإنفاق إذا أملق واحتاج لعبت به الحسرات، وجعل يقول بلسان مقاله، أو لسان حاله: يا ليتني لم أفعل ذلك.
وأما المقتصد فإنَّه لا يندم العاقل على نفقة وضعها في محلها، وأقام بها واجبًا من الواجبات، أو سدَّ بها حاجة من الحاجات، فإنَّ المال لا يقصد إلا لمثل هذه الحالة.
وأيضًا فإنَّ المسرف في النفقات، لا بد أن يكون مترفًا معتادًا أمورًا، إذا عجز عنها شق عليه الأمر مشقة كبيرة، وكبر عليه الصبر، وثقل عليه حمله بخلاف المعتدل، فإنَّه سالم من هذه الحالة.