فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 171

ومن فوائد هذا المقام الجليل: أن صاحبه مستريح القلب، مطمئن النفس قد وطّن نفسه على ما يصيبه من الناس من الأذى، وقد وطّن نفسه أيضًا على إيصال النفع إليهم بكلِّ مقدوره، وقد تمكّن من إرضاء الكبير والصغير والنضير، وقد تحمَّل مَنْ لا تَحْمِلُهُ مِن ثقله الجبال، وقد خفت عنه االأثقال، قد انقلب عدوه صديقًا حميمًا، وقد أمن من فلتات الجاهلين ومضرة الأعداء أجمعين، وقد سهل عليه مطلوبه من الناس، وتيسر له نصحهم وإرشادهم والاقتداء بنبيه في قوله تعالى في وصفه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [ال عمران:159] . ويتولد عنه خلق:

الرحمة

وهي رقة القلب وصفوه ورحمته للخلق وزوال قسوته وغلظته، وهو من أخلاق صفوة الخلق.

قال تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] .

فرأفته -صلى الله عليه وسلم- ورحمته لا يقاربه فيها أحد من الخلق، وهذه الرأفة والرحمة ظهرت آثارها في معاملته للخلق، ولا تنافي قوة القلب وصبره.

فقد كان -صلى الله عليه وسلم- أصبر الخلق وأشجعهم وأقواهم قلبًا مع كمال رحمته.

فقوة القلب من آثارها: الصبر والحلم و الشجاعة القولية والفعلية، والقيام التام بأمر الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

ورحمة القلب من آثارها: الشفقه والحنو والنصيحة، وبذل الإحسان المتنوع، فأيُّ أخلاق تقارب هذه الأخلاق السامية الجليلة. فقوة القلب وشجاعته تنفي الضعف والخور، ورحمته تنفي القسوة والغلظة والشراسة.

وهذه الأخلاق الجميلة وإن كانت من علم الأخلاق و التربية على أحسنها، فإنَّها أيضًا داخله في علم التوحيد، كما دخل فيه الخوف والرجاء والدعاء وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت