وفي يوم الخميس حضر المشايخ على العادة عند الملك، وبعد حضورهم طلب الشيخ من بيته، لأنهم نزلوه في بيت، وحضر عند الملك والمشايخ، ثم قال له الملك: هذولا [1] إخوانك المشايخ، تراهم والله ما قالوا فيك ولا كلمة، وإنهم والله يمدحونك، وأفعالك جميعها جايزة لنا [2] . وردد قوله: إن المشايخ ما قالوا فيك ولا كلمة، لا الحاضر منهم ولا الغايب، وأنهم يثنون عليك، ويحبونك، إلى أن قال: فقط، اتركوا البحث في يأجوج ومأجوج، لأنه فيه تشويش على الناس بلا فايدة. قال الشيخ: إني دعيت له [3] ، وقلت: لا بأس. أنا قلت: هذا اجتهاد مني ولا ظنيت أن يحصل فيه تشويش. والآن نترك البحث فيه، ولا هي مسألة حلال أو حرام، والأمر خفيف. قال الملك: إننا مشغولين بالسفر للقصيم، ولا اجتمعنا فيك، فأنت إن شاء الله خوي [4] لنا بكرى بعد صلاة الجمعة، نمشي لأجل نجتمع فيك بالبر.
ولما صلينا الجمعة، مشى الشيخ مع الشيوخ مكرم غاية الإكرام، حتى إن الملك أكد على خوياه أن سيارة الشيخ تكون خلف سيارة الملك، ولا يتقدمها ولا سيارة. ورجع إلى الوطن مسرورًا، والجماعة مسرورين من سروره، متع الله بحياته .... ).
وهاتان الروايتان؛ من صاحب الشأن، ومن شاهد حال من خاصة الشيخ، تنفيان ما يضادهما من تقولات العامة، أو نقولات عن مجاهيل، خاض بها بعض الناس.
وهكذا كانت هذه الحادثة سببًا لعلو نجم الشيخ، ورفعة منزلته، ومزيد معرفته، من لدن أولي الأمر من الولاة والعلماء، وتكريمه. وقد قيل:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ
طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت
ما كان يعرف طيب عرف العود
(1) -. هذولا بلهجة أهل نجد أي: هؤلاء.
(2) - أي أنها محل رضانا وإعجابنا.
(3) - المراد: دعوت الله له.
(4) - خَوِيّ، وتجمع على خُوَيا بلهجة أهل نجد أي: مرافق وصاحب.