فهذه الأوصاف المتنوعة التي وصفوا بها بالكتاب والسنة، لا يشك من فهمها تمامًا، وفهم الواقع، أنها تنطبق على هؤلاء الأمم، وأما ما يوجد من الآثار الدالة على طولهم المفرط، وقصرهم المفرط، وصفاتهم المخالفة لصفات الآدميين، فكلها كذب [1] ، مخالفة للنصوص الصحيحة، وللواقع، لا يحل اعتقادها، والاعتماد عليها، فضلًا عن تقديمها على دلالة النصوص الصحيحة، فهي، وإن ذكرها بعض الناس، فقد أولع كثير من المصنفين بذكر أحاديث وآثار لا زمام لها ولا خطام، ومجرد ما يراها البصير يعرف مخالفتها لما دلت عليه النصوص الصحيحة.
فإن قلت: فقد ورد في صحيح مسلم، في حديث النواس بن سمعان الطويل أن يأجوج ومأجوج، حين يقتل عيسى بن مريم الدجال، فيقول الله له: قد أخرجت عبادًا لي، لا يدان لأحدٍ بقتالهم [2] ، فحرز [3] عبادي في الطور، وأنهم يخرجون فيشرب أوائلهم بحيرة طبرية، ويمر عليها آخرهم، فيقول قد كان هاهنا ماء، وأنهم يرمون بنُشَّابهم [4] إلى السماء فتعود عليهم مخضوبة دمًا، فيقولون: قد قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء [5] .
فالجواب عن هذا من وجوه:
(1) - قال ابن كثير رحمه الله: (ومن زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم، فاختلط بتراب، فخلقوا من ذلك، وأنهم ليسوا من حواء ... وهكذا من زعم أنهم على أشكالٍ مختلفة، وأطوال متباينة جدًا، فمنهم من هو كالنخلة السحوق، ومنهم من هو غاية في القصر، ومنهم من يفترش أذنًا من أذنيه، ويتغطى بالأخرى، فكل هذه أقوال بلا دليل، ورجم بالغيب بغير برهان. والصحيح أنهم من بني آدم، وعلى أشكالهم وصفاتهم) . البداية والنهاية 2/ 553 ـ 554.
(2) - أي لا قدرة ولا طاقة. كأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه.
(3) - أي ضمهم، واجعله لهم حرزًا. والحرز: الموضع الحصين.
(4) - سهامهم.
(5) - قطعة من حديثٍ طويل، رواه مسلم في صحيحه. رقم (2937) .