والرسول صلّى الله عليه وسلّم لا يخبر بما تحيله العقول، بل كلامه فيه الشفاء، والعصمة، والنور، والبرهان، والحق، واليقين. وأما ما فيه من ذكر ماء البحيرة، وأنهم يشربونه، فإما أن ذلك إشارة وتنبيه على كثرتهم العظيمة التي هم في الحقيقة عليها، وإما إن ماء البحيرة سيستخرجونه بالآلات إلى عمارة حروثهم، وزروعهم، حتى ينشفوها. وهذا شرب حقيقي. ويدل على هذا أن ماء البحيرة، لو اجتمع جميع من على وجه الأرض من الآدميين والحيوانات، فشربوا منها بأفواههم لم ينشفوها. والنبي صلّى الله عليه وسلّم ينزه أن يتكلم بخلاف الواقع. فتعين أحد التأويلين [1] ، إن كان حديث
النواس بن سمعان محفوظًا [2] ، جمعًا بين النصوص، ويدل على التأويل الأخير أن الصهيونيين الذين أكثرهم من عنصر الفرنج، الذين أتوا من البلاد الخارجية، لا زالوا يستخرجون ماء البحيرة بالمكائن وغيرها،
(1) - بل المتعين ما أخبر به المعصوم صلّى الله عليه وسلّم، دون حاجة إلى تأويل، حيث قال: «فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرةً ماء» رواه مسلم رقم (2937) . فكونه إشارة وتنبيه على كثرتهم العظيمة لا يمنع من إرادة الظاهر، وأما التأويل
الثاني فبعيد جدًا، وليس في الإخبار به مزية. فإنه لم يزل الناس يستخرجون المياه من
البحيرات والغدران بالوسائل القديمة والحديثة. وربما تنضب أحيانًا.
ومع ما ذهب إليه الشيخ، رحمه الله، في التأويل الثاني، فإن بحيرة طبرية لم تنشف حتى الآن. وسياق الحديث النبوي يدل على أن الطائفة الأولى من يأجوج ومأجوج شربت ماء البحرية شربًا حقيقيًا، لا أنها حرثت، وزرعت، وسقت.
(2) - هو بحمد الله محفوظ، لا مخالف له، رواه الإمام مسلم في صحيحه، برقم (2937) .