والمنصف إذا عرف الواقع، وأين ديار الترك، ومَنْ جيرانهم، عرف أن كلام هؤلاء العلماء صريحٌ أنهم هؤلاء الأمم الذين ذكرنا، وليكن على بالك أن يأجوج ومأجوج ليسوا عالمًا غيبيًا، وإنما هم آدميون، بارزون، محسوسون، كما دلت على ذلك أنواع الأدلة.
الدليل السادس:
أن الشارع لا يخبر بأمرٍ تحيله العقول، ويكذبه الحس والواقع.
بل أخباره كلها لا يعارضها حس ولا عقل صحيح، ولا غيرها
من الأمور العلمية، ومن زعم أن يأجوج ومأجوج غير هؤلاء الأمم الذين ذكرنا، فإن قوله يتضمن المحال، لأن هذا القائل يدعي، ويعتقد، أنهم أمم عظيمة من بني آدم، وأنهم أكثر من هؤلاء الأمم الذين يعرفون الآن على وجه الأرض كلها بأضعافٍ مضاعفة، وهذا قول محال ينزه الشارع من أن ينسب إليه هذا القول، لأنه يطرِّق [1] الكافرين والمعاندين إلى القدح في الشارع، ويقولون: كيف يخبر عن أممٍ على وجه الأرض، أكثر من الموجودين في القارات الست وتوابعها؟! فأين هم؟! وأين ديارهم؟! والأرض كلها مكشوفة، وقد اكتشفها الناس قطرًا قطرًا. ولم يبق محلٌ من الأرض إلا وصل إليه علم الناس، إلا جهة قليلة جدًا تحت مدار القطبين [2] ، وقد غمرتها الثلوج، لا يمكن أن يعيش فيها آدمي، ولا حيوان، ولا نبات، لشدة بردها، وعدم وصول الشمس إليها، وهي رقعة صغيرة جدًا بالنسبة إلى الأرض المكتشفة، فمجرد تصور العارف لهذا القول يكفي في رده. يوضح هذا توضيحًا تامًا:
الدليل السابع:
أن قارات الدنيا كلها، القديمة والحديثة، ست قارات:
(1) - قال ابن منظور: (تطرّق إلى الأمر: ابتغى إليه طريقًا) لسان العرب 8/ 155.
(2) - ربما كان ذلك في زمن المؤلف، رحمه الله، أما الآن فلم يبق موضع إلا وصلته الكشوف، وتم تصويره عن طريق الأقمار الصناعية.