فهرس الكتاب
جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم فقيل يا رسول الله وفيهم المكره فقال يبعثون على نياتهم"فإذا كان العذاب الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالمكره وغير المكره فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو بأيدي المؤمنين؟! كما قال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} (التوبة:52) ،ونحن لا نعلم المكره ولا نقدر على التمييز، فإذا قتلناهم بأمر الله كنا في ذلك مأجورين ومعذورين، وكانوا هم على نياتهم فمن كان مكرهًا لا يستطيع الامتناع فانه يحشر على نيته يوم القيامة، فإذا قتل لأجل قيام الدين لم يكن ذلك بأعظم ممن يقتل من عسكر المسلمين". ا. هـ مجموع الفتاوى (28/ 547) .."وكذلك مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء فإنَّ الجهاد هو دفع فتنة الكفر، فيحصل فيها من المضرَّة ما هو دونها، ولهذا اتّفق الفقهاء على أنَّه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلاَّ بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك، وإن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم ففيه قولان، ومن يسوّغ ذلك يقول: قتلهم لأجل مصلحة الجهاد مثل قتل المسلمين المقاتلين يكونون شهداء .." (20/ 52 - 53)
فقد رأيتَ أنَّ ابن تيميَّة تحدّث عن صورتين لمسألة التَّترس، الأولى وفاقية، والثانية خلافيَّة فيها قولان مشهوران، وفي كلامه ميلٌ إلى ترجيح الجواز في الصورة المختلف فيها من التّترس،"ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا"، والصورتان هما:
الأولى: أن يُخاف على المسلمين الضرر، إذا لم يُقاتل الكافر المتترّس بمسلمين، فهذه الصورة اتّفاقيَّة عند شيخ الإسلام وغيره كما يأتي، والمقطع الذي نقلوه من كلام ابن تيميَّة والذي فيه حكاية الاتّفاق على صورةٍ من التترس يتحدّث عنها، هو في هذه الصورة.
الثانية: أن لا يُخاف على المسلمين الضَّرر من ترك قتال المتترسين، فليس فيه مصلحةٌ تغتفرُ لأجلها مفسدة قتل المسلمين، إلاَّ مصلحةُ استمرار الجهاد، وامتثال الأمر به، فهذه المسألة فيها قولان مشهورانِ.
فاستدلال المجاهدين بمسألة التّترس، لا يخرج عن أن يكون محلّ إجماعِ، أو أحد القولين المشهورَينِ لأهل الإسلام، وهذا ما لم يشأ الملبِّسُون أن يذكروهُ، ورأوه في كلام ابن تيميَّة فبتروه.
ونحن نقول إنَّ مسألة التترس في العدوّ غير المصافِّ فيها مناطان: مناط مشروعيَّة قتاله، ومناط مفسدة من يُقتل معه، فأمَّا مشروعيَّةُ قتاله، فلا فرق فيها بين المُصافِّ وغير المصافِّ، ولو كان المجاهدون لا يرون مشروعيَّة قتاله، ما استباحوا قتل التُّرس والمتَتَرِّس معصومٌ أصلاً، وأمَّا مفسدة قتل التُّرس، فلا فرق بين من يُقتل مكرهًا في مواجهة ومصافَّةٍ، ومن يُقتل مكرهًا في غير مواجهةٍ ومصافَّةٍ، بل التُّرس في كثيرٍ من الأحيان يكونُ في المُصافَّة من المجاهدين المقاتلين لهذا العدو الكافر البريئين منه أعظم البراءة، ومع ذلك وقعوا في أسره فاستعملهم ترسًا، وأمَّا في غير المصافَّة فالأكثر أنَّه مُخالطٌ للمشركين، مساكنٌ لهم، موالٍ لهم نوع موالاةٍ، كما أنَّ الأوَّل لم يكن تُرسًا إلاَّ بإكراهه على ذلك، أمَّا الثَّاني فقد دخل منازل الصليبيين باختياره