بسم الله الرحمن الرحيم
تفريغ
للشيخ/ أبي الحسن رشيد البليدي (حفظه الله)
مُؤسَّسَة التَّحَايَا
قِسْمُ التَّفْرِيغِ وَالنَّشْرِ
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق فسوَّى وقدَّر فهدى، الحمد لله الذي يهدي من يشاء بفضله، ويُضل من يشاء بعدله، الحمد لله.
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وناصر الدُّعاة والمجاهدين، ومُخزي الكفرة والمشركين والملحدين والمرتدين.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله، فبلَّغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، وأرِنا الحق حقًا وارقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أيها الإخوة المسلمون عامة والمجاهدون خاصة، مرَّت الأيام، مرَّت حُبالى بأحداث تحمل الأفراح وتحمل الأقراح، وعاد العيد ليُعيد للذاكرة معانٍ من وراء مظهره، معانٍ تُنسيها أحداث الزمان، معانٍ تجعل الحياة سعيدة وطيبة. وإنما جُعلت المباني لتُعبِّر عن حقيقة المعاني، وتلك المباني من غير معانٍ لا عبرة فيها، الحياة من غير معنى لا روح فيها، حياة يخنقها الشقاء والخوف واليأس، حياة تلهث فيها البشرية وراء سراب السُّبُل، يستدرجها الشيطان لحتفها.
إنّ من وراء مناسك الحج وشعائر العيد معانٍ عظيمة يحتاجها السائر إلى الله -عز وجل- ويحتاجها أشدُّ ما يحتاجها العامل لدين الله -تبارك وتعالى- سواء في ميدان الدعوة إلى الله -عز وجل- أو في ميدان الجهاد في سبيل الله -عز وجل-. عِبَر لمن عَقَل وتدبَّر واعتبر، يعود العيد ليعيدها للذاكرة، يُعيدها في ذاكرة المسلمين، والحمد لله -عز وجل- الذي شَرَع ما شرع ليُحيي فينا وفي نفوس المسلمين تلك القيم العظيمة.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن أول ما يُذكِّرنا به العيد قصة الخليل إبراهيم -عليه السلام-، وقصة هدم الأصنام، وقصة هاجر، وقصة إسماعيل الذَّبيح، قصص يعرفها حتى أطفال المسلمين. ولكن أين العبرة وأين الثمرة من معرفة تلك القصص؟ لماذا يهدم إبراهيم الأصنام؟ ولماذا يجادِل قومه في بطلانها؟ ولمَ يتحمَّل إلقاءه في النار من أجل هذه الحقيقة؛ وهي بيان بطلان الأصنام وعبادة الأصنام؟
إن الأصنام التي عبدتها البشرية منذ عهد نوح -عليه السلام- عبدتها من دون الله -عز وجل-، أصنام تشارك الله -عز وجل- في ألوهيته، والخلق إنما خُلقوا ليعبدوا الله -عز وجل- وحده لا شريك له، ومن هنا ينشأ الصِّراع وتنشأ الحرب بين عباد الله سبحانه وبين عُبَّاد الأصنام.
والأصنام هي الأصنام سواء كانت أحجارًا أو أفكارًا أو بشرًا؛ لأنها تُعبد من دون الله -عز وجل-، والواجب على العبد أن يعبد الله -عز وجل- وحده سواء في النسك أو سواء في الحُكم، ويمتثل أمر الله -سبحانه وتعالى- وحده ظاهرًا وباطنًا، وأن يكون عبدًا لله -عز وجل- حقًا لا مُبضَّعًا؛ عبدًا لله في النسك وعبدًا للطاغوت في الحكم يعبد هواه في سائر مناحي الحياة ويعبد الله -عز وجل- في المسجد فقط!.
إن الله سبحانه خلق الخلق ليكونوا عبيدًا له وحده لا شريك له، وإرجاع البشرية لعبادة الله وحده لا شريك له هي نقطة الصراع بين الحق والباطل، ونقطة الصراع بين أولياء الله -عز وجل-، وفي أول قائمة أولياء الله -عز وجل- الأنبياء والرسل، صراع هذه الطائفة مع أولياء الشيطان الصَّادِّين عن سبيل الله -عز وجل-، الذين يريدون أن يُعبِّدوا الناس لغير الله تعالى.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
وتمرُّ مِحنة الأصنام، وتمرُّ مِحنة النار على إبراهيم -عليه السلام-، وتأتي محنة أخرى وهي أمره بأن يُسكن هاجر وابنها الرضيع بوادٍ غير ذي زرع. ويشُبُّ الغلام ويأتي اختبار آخر يأمر الله -عز وجل- نبيه إبراهيم أن يذبح ابنه إسماعيل، {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} .
والحياة كلها ابتلاء، وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} ، {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} ، لماذا يأمر الله -عز وجل- نبيه إبراهيم أن يذبح ابنه إسماعيل؟ ليعلم الله -عز وجل- مِن عبده إبراهيم أيُّهما أحب إليه؛ آلله -سبحانه وتعالى- أم ولده؟ {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} ، هل قلب إبراهيم -عليه السلام- لا زال سليمًا سالمًا خالصًا لله -عز وجل- أم أن إسماعيل قد أخذ حظًا وشطرًا من قلب إبراهيم -عليه السلام-؟ حظٌّ ربما يحمل إبراهيم على أن يرد أمر الله -عز وجل- وحاشاه. وهل يستسلم إسماعيل لأمر الله سبحانه أم يعترض؟ وينجح الابن والأب في الامتحان، {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ *وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} .
أيها الإخوة، إن إبراهيم -عليه السلام- يوم أن امتثل أمر الله -عز وجل- ما كان يعلم أن الذَّبح سيتوقف، وأن الله -سبحانه وتعالى- سيُبدله بإسماعيل ذبحًا آخر وكبشًا، وما كان يعلم إسماعيل أيضًا أنه لن يُذبح، ولكن الأب والابن استسلما لأمر الله -عز وجل- وكان ما كان.
هذه هي العبودية لله سبحانه، عبودية العبد الضعيف الفقير إلى الله، ورضي الله -سبحانه وتعالى- عن عَبْدَيه، ورضا الله -عز وجل- مقدَّم على حظوظ النفس وعوارض الحياة مهما كانت تلك العوارض، ومن يطع الله -عز وجل- فقد رَشَد؛ لأن الأموال تفنى، والأولاد يذهبون ويموتون وتبقى الحسنات والسيئات ويبقى رضى الله -سبحانه وتعالى-.
أيها الإخوة مات إبراهيم -عليه السلام-، ومات إسماعيل، وبقي الصراع بين حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك، بقي هذا الصراع بين عبودية الله -تبارك وتعالى- وحده وبين عبودية الأصنام مهما تنوَّعت تلك الأصنام، بقي هذا الصراع ممثَّلًا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، المعركة واحدة في حقيقتها وإِنْ اختلف حاملوها، وإنْ اختلفت أيضًا شعاراتها؛ معركة بين التوحيد وبين الشرك، بين عبادة الله -عز وجل- وحده وعبادة الأصنام الظاهرة والباطنة.
والقرآن العظيم سجَّل هذه المعركة، وسجَّل حقيقة المعركة وتفاصيلها منذ أن أبى الشيطان أن يكون مع الساجدين، إلى أن بعث الله -عز وجل- نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، والرسل هم قادة المعركة بين الحق والباطل، وكل من سار على منهج الأنبياء والرسل صدقًا سيلقى نفس الأعداء ونفس الابتلاء ونفس المصير، ومن وراء اختبار اختيار الإيمان على الكفر والهجرة على الأبناء والأولاد والأموال والجهاد على الركون للظلمة والطواغيت، ابتلاءٌ لتمحيص النفوس وتمحيص الصفوف، {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} .
والهداية فضل الله -عز وجل-، والغواية خذلان من الله -عز وجل-، يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وهو العزيز الحكيم.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
عبادَ الله، قد قال الله -عز وجل-: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} ، إنَّ السَّائر إلى الله -عز وجل- في طريق الدعوة وطريق الجهاد يحتاج إلى أسوة يقتفي أثرها، والله -عز وجل- جعل لعباده أسوة في الأنبياء والمرسلين، واليوم ونحن نُحيي لهذه الأمة معاني الدين ومعاني الإسلام ونريد أن ندفع الأمة إلى أن تعمل في سبيل الله -عز وجل- وتضحّي في سبيل هذا الدين، نحتاج إلى أن نُحيي فيها عظمة تلك الأسوة وتلك القدوات، بدءًا بالأنبياء والمرسلين وأتباعهم وصحابة الرُّسل -رضي الله تعالى عنهم-، تلك المنارات، منارات الهدى في تاريخ هذه الأمة العظيمة، منارات من العلماء الربانيين والأمراء العاملين، من أجل أن تعتزَّ هذه الأمة بتاريخها، ومن أجل أن تعتز هذه الأمة أيضًا برجالها.
{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} ، والله -عز وجل- أمر نبيَّه أن يتَّبع ملة إبراهيم؛ {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، والذي قال لنبيه: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} ؛ أي اقتدِ بهدى الأنبياء والمرسلين من قبلك. ونحن اليوم نحتاج إلى أن نقتدي بهؤلاء؛ لأن حاجة الأمة إلى الأنبياء والرسل وحاجتها إلى القدوات وحاجتها إلى المجددين من العلماء الربانيين والأمراء العاملين أكثر من حاجتها إلى الطعام والشراب، أسوة حسنة في إبراهيم، ملة إبراهيم التي تنبني على توحيد الله -عز وجل- وحده والكفر والبراءة من الشرك والمشركين.
{قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وتأمل قول الله -عز وجل-: {لِقَوْمِهِمْ} ؛ فالمعركة قائمة بين الأنبياء والرسل وأتباعهم مع قومهم، فهؤلاء أَبَوا أن يكونوا عبيدًا للصنم وعبيدًا للطاغوت، وهؤلاء رضوا أن يكونوا عبيدًا للطواغيت، هؤلاء دعاة الله وهؤلاء دعاة الشيطان، فينشأ الصراع بين الفريقين من أجل هذه الحقيقة، لا من أجل الدنيا ولا من أجل المناصب ولا من أجل الامتيازات ولا من أجل الأموال، ولكن من أجل أن يُعبد الله -عز وجل- وحده، من أجل أن يكون الدين كله لله -تبارك وتعالى- وحده.
{كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ} ، بُغض للشرك والمشركين عداوة بالهجر والقتال والجهاد في سبيل الله -عز وجل-، {أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} ؛ إن آمنتم كنتم مثلنا وكنتم إخواننا، ولكن إن رضيتم أن تكونوا عبيدًا للشيطان، ومدافعين عن الشيطان، ومقاتلين في سبيل الشيطان من أجل أن يكون الدين لغير الله -عز وجل-، فنحن أعداؤكم ونحن مجاهدوكم حتى يكون الدين كله لله -تبارك وتعالى-.
فإذًا هذا هو محور الصراع ومحور العداوة بين أولياء الله -عز وجل- وأولياء الشيطان، وانظر في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ جاءه المشركون وعرضوا عليه عوارض الدنيا ولكنه أبى -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه لا يطلب الدنيا، ولو أراد الدنيا لحازها، ولكنه يريد أن يُعبِّد الناس لله، وأن يُخرج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} ، أولئك الذين رضوا أن يكونوا عبيدًا للشهوات، صرع الدنيا وزخارف الدنيا، وعبيدًا لطواغيت الأرض والملأ، هؤلاء هم السفهاء هؤلاء هم الذين سَفِهُوا أنفسهم؛ لأنهم رضوا أن يضعوا جباههم في الطين، لا ذلًا لله ولكن ذلًا لطواغيت الأرض.
إذًا نحن بحاجة معشر المسلمين والمجاهدين أن تَعظُم في نفوسنا تلك القدوات في تاريخ البشرية، تلك المنارات، منارات الأنبياء والرسل والصحابة والعاملين لهذا الدين، أحيوها في أنفسكم، وأحيوها في إخوانكم، وأحيوها في أمتكم تروا إن شاء الله هّبَّة مباركة بإذن الله -عز وجل-.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
ثمن الدعوة والجهاد، علو كلمة الله -تبارك وتعالى- في النفس وفي جماعة المسلمين، عزة وسيادة في الدنيا وفي الآخرة، وإنما نال ما نال إبراهيم -عليه السلام- من الإمامة في الدّين يوم أن ابتُلي فصبر -عليه الصلاة والسلام-، {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ، والخليل -عليه السلام- إنما نال تلك الإمامة بعدما نجح في الاختبار والامتحان، فالإمامة ثمنها الصبر واليقين {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ} ؛ فلا إمامة من غير ابتلاء، ابتلاء يُظهر في العبد وفي الأمة الصبر واليقين، الصبر على دين الله -عز وجل-، الصبر على طاعته، الصبر على ترك معاصيه، الصبر على تلقّي اختباراته وابتلاءاته بقلب مطمئن وحسن ظن بالله -عز وجل-، ويقين بأن هذا دين الله -سبحانه وتعالى-، والقرآن كلامه وكتابه، اليقين بأن ما وعد به الله -عز وجل- حقّ، وما يتوعّد به الطواغيت غرور، يقين بأن ما عند الله -عز وجل- أبقى وخير للعبد في دنياه وفي أخراه، لا بد من الصبر ولا بد من اليقين.
أيها الإخوان، إن قيمة الحياة في رسالتها، الحياة من غير رسالة بسيطة، يجيء العبد يأكل ثم يشرب ويموت وينتهي، لا تحس به حين يوجد، ولا تحس به حين يُفقد، هو أقرب إلى حياة الأنعام، يأكلون ويشربون ويتمتَّعون، ولا شيء في الحياة. إن الحياة رسالة، وقيمة الحياة في تلك الرسالة، ورسالتنا كأمة أمة الإسلام هي رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ رسالة الهداية وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، إنقاذ الناس من النار وإنقاذ الناس من الشقاء، والحاجة إلى الرسل -كما قلت من قبل- أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب.
إن القرآن العظيم يوم أن كان ينزل على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كان ينزل وهو يُنشئ أمة الإسلام، يُنشئ أمة الإسلام من خلال ترسيخ العقيدة الصحيحة في نفوسها، ومن أجل تعليمها المناسك والعبادة الحق، ومن أجل تَحليَتها بالأخلاق الفاضلة، الأخلاق التي من غيرها تَأْسَن الحياة وتَرْكَد وتصبح جحيمًا، وأيضًا من خلال تعليمها نظام الحياة وسنن الحياة وحقيقة التدافع بين الحق والباطل. فقدَّر الله -عز وجل- أن يُنشئ هذه الأمة ليُهيِّئَاها لأمر عظيم؛ أمر الفتوحات الربانية، أمر إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
هذه رسالة الأمة التي عاش بها الصحابة -رضي الله عنهم-، عاشوا بها سادة وقادة وأعزاء، عاشوا -رضي الله عنهم- ثم ماتوا وبقيت آثارهم وبقيت مآثرهم تذكرهم، ودونكم التاريخ اسْتَنِطقُوه يُخبركم الخبر اليقين عن تلك الأمة التي وصفها الله -عز وجل- فقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ، لكن حب الدنيا وزخارف الدنيا والمال والبنون هو الذي أَقْعَدَ الناس عن التضحيات، وأقعد الناس عن الجهاد في سبيل الله -عز وجل- وحال بينهم وبين المآثر والمفاخر، وعاشوا كَرَبَّات الحِجَال يَطْعَمون ويَكسُون، ثم يموتون.
وذلك فضل الله -عز وجل- يؤتيه من يشاء، {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إننا اليوم نعيش حربًا ضروسًا شمَّرت عن ساقها، نعيش حربًا تستهدف هويتنا وديننا وإسلامنا، تستهدف وجودنا، وفي هذه الحرب المكشوفة والمفضوحة لا بد أن نسترجع معانٍ خاضها النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أن كان يواجه الباطل بنفسه، إننا نحتاج اليوم معشر المسلمين والمجاهدين إلى فقه في حقيقة هذا الدين، هذا دين عظيم ومن أراد أن يُمكِّن لهذا الدين لا بد أن يفقه حقيقة هذا الدين، من خلال عقيدته ومن خلال عبادته ومن خلال أحكامه ومن خلال نظامه، فالجاهل عدوّ ما يجهل، ولا يمكن أن نخدم هذا الدين ونحن نجهله، فلا بد من الفقه، (ومن يُرِد الله به خيرًا يُفقِّهُه في الدين) .
نحتاج إلى فقه في الدين ونحتاج إلى فقه في الدنيا، لا بد أن نفقه سنن الحياة وسنن التدافع بين الحق والباطل؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- علَّم صحابته ذلك، ولولا ذلك ما سادوا الدنيا وما فتحوا الأرض، نحتاج إلى معرفة كيف يُدّار الصّراع وكيف يُمكَّن لدين الله -سبحانه وتعالى-. ودونكم عقول الصحابة وعبقرية الصحابة وجدية الصحابة وقوة الصحابة، ولكم في الصحابة أسوة وهدي ينبغي أن يُهتدى به.
ونحتاج كذلك معشر المسلمين إلى ائتلاف، ونحتاج إلى اجتماع، ونحتاج إلى تعاون. من المَعِيب حقّنًا يا معشر المسلمين أن نرى المسلمين يصومون في يوم واحد ويفطرون في يوم واحد، ويحجّون إلى بيت واحد، ويطوفون طوافًا واحدًا، ويقفون موقفًا واحدًا وتلبية واحدة، ولكن نراهم مختلفين متشاكسين متفرّقين!، من المعيب حقًا يا معشر المسلمين أن يجتمع أهل التوراة وأن يجتمع أهل الإنجيل وأن يفترق أهل القرآن، وهم يقرأون في كتاب الله -عز وجل-: وَالَّذِينَ