الصفحة 128 من 177

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلّى الله على محمد وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليما كثيرا، وبعد:

بعد تفجيرات الجزائر العاصمة المباركة ـ تقبل الله أبطالها في الشهداء ـ وردتني تساؤلات طُرحت في منتدى الحسبة الجهادي، و نقلها إلي إخواني بغرض الإجابة عنها، فألزمني واجب البيان تلبية الطلب، مع التنبيه أنّ السؤال والمراجعة حق كفله الإسلام لمريدي الحق، وكان ذلك دأب السلف - رضي الله عنهم - بحثا عن الحق واستزادة من الصواب .."وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".

و الأسئلة المطروحة كما وردتني كالآتي:

• أثير أن الهجمات استهدفت مدنين فنريد منكم تعليق للرد على هؤلاء.

• لماذا لم يتم استهداف المصالح الأمريكية مع ملاحظه أن استهدافكم لهاليبرتون قد وفر لكم دعم جماهيري عريض ومساندة واضحة وهو ما يوافق منهج الشيخ أسامه في استهداف المصالح الإقتصادية الأمريكية.

• ألن تؤثر تلك الهجمات على القاعدة الجماهيريه لكم من أبناء الشعب الجزائري الطيبين المحبين لكم.

• هل يمكنكم توفير كتب لنا حول الأدلة الشرعية التي استندتم إليها في الهجمات وذلك لأن الشبهات المثارة أمامي قويه من قبل الإخوة وأحتاج أولا للتعلم وثانيا للرد.

• لماذا تم تنفيذ العملية بعملية استشهادية.

• تحدث الشيخ أبو مصعب عبد الودود عن التخلص من الانحرافات التي كانت قد شابت الجماعة من قبل فما حقيقة هذه الانحرافات وما هو المنهج الذي تسير عليه الجماعة الآن.

• أليس محاربه الأنظمة الطاغوتية قد يوحد الشعب الطيب ضدكم نتيجة قوة الطواغيت من إعلام وجيش وشرطه وتأثيرهم على الناس ومن أدله ذلك التجربة المصرية والتجربة في بلاد الحرمين اللتين قمعت من قبل الأنظمة وعدم وجود الدعم من قبل عامه المسلمين.

• أليس من الأحرى إظهار كفر هذه الأنظمة الطاغوتية أمام الشعوب بتوضيح عمالتها للكفار من الأمريكيين والفرنسيين وغيرهم. (انتهت الأسلة المنقولة) .

ـــــــــــــــــــــــــ

ما أوّد الإشارة إليه قبل ولوج الموضوع هو أن يعلم القارئ الكريم أنّ تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي ليس أول من فتح باب العمليات الإستشهادية واعتمدها كأسلوب قتالي بحيث يطالب بتأصيلها، لكن له سلف فيمن سبقه من جماعات الجهاد .. و تأصيلاتهم منشورة و الحمد لله في المواقع الإسلامية، بل أفتى بجواز هذا النوع من العمليات القتالية من هم خارج دائرة الجهاديين ..

وبالتالي ما سأحرره في هذه الصفحات هو في جملته محض النقل عنهم ـ حفظهم الله ـ ..

و من جهة ثانية فإنني أنبه إخواني المسلمين من أنّ تفجيرات الجزائر لم يكن المستهدف فيها هم (المدنيون) كما يزعم المرتدون، بل المستهدف هم المنتسبون للحكومة و قوات الأنتربول و الشرطة المرتدة و هؤلاء محاربون لدين الله، و أيضا الضحايا الغالبية العظمى منهم محاربون و ليس كما ذكرت وسائل الإعلام الكاذبة.

والآن سأتناول الجواب من خلال النقاط التالية , سائلا الله - عز وجل - السداد في القول والعمل.

أوّلا: المستند الشرعي للعمليات الإستشهادية:

إن من النوازل المهمة التي نزلت بأهل هذا العصر: نازلة العمليات الاستشهادية التي يسميها بعض من لا يرى مشروعيتها: انتحارية، وهذا النوع من العمليات لم يكن معهودا عند سلف الأمة الصالح لعدم قيام المقتضيات التي تدعو إليه من ناحية، وعدم شيوع وتوفر الوسائل التي تُمكّن منه من ناحية أخرى، وإنما ظهر الحديث عنه والخوض فيه بعد ظهور المتفجرات والتي يتمكن الفرد عن طريقها من تفجير كل ما حواليه. وتتخذ هذه العمليات أشكالا مختلفة تتفق كلها في حقيقتها -وإن اختلفت في الشكل- وهي أن منفذ العملية يُفجّر ما حوله ويهدمه ويروح هو ضحية هذا الفعل بحسب السنة الجارية.

وقد ظهرت الحاجة إلى مثل هذه العمليات في عصرنا هذا أكثر من أي وقت مضى لما تعيشه الأمة من تكالب عالمي ومحلي يستهدف عقيدتها ووجودها، ولما تعيشه الفئة المجاهدة من هذه الأمة من قلة في العدد وتواضع في العُدد، حيث تتعذر مواجهة أعداء الله بالأساليب العادية المألوفة في ظل التباين الشاسع في الإمكانات وفي مستوى التسليح بين المسلمين وأعدائهم, ولستُ أعني بهذا مُطالبتهم بالقول بجواز العمليَّات، ومتابعة المجاهدين وتقليدَهم في العلميَّات والعمليَّات، وإنَّما المراد في هذه المسألة كسائر المسائل الشَّرعيَّة أمران:

إعطاء المسألةِ حقَّها، وإعطاء المُخالف في موضع الاجتهاد حقَّه,

قال فضيلة الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي حفظه الله

"قبل الإجابة على هذا السؤال لابد أن تعلم أن مثل هذه العمليات المذكورة من النوازل المعاصرة التي لم تكن معروفة في السابق بنفس طريقتها اليوم، ولكل عصر نوازله التي تحدث فيه، فيجتهد العلماء على تنزيلها على النصوص والعمومات والحوادث والوقائع المشابهة لها والتي أفتى في مثلها السلف، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (الأنعام: من الآية 38) وقال عليه الصلاة والسلام عن القرآن: (فيه فصل ما بينكم) "،اهـ.

1 -الدليل على جواز قتل الإنسان لنفسه من أجل إعلاء كلمة الله:

روى الإمام مسلم في صحيحه قصة أصحاب الأخدود، وفيها أن الملك حاول مرتين أن يقتل الغلام فلم يستطع، إلى أن دلّه الغلام على الطريقة التي يقتله بها، وهي أن يأخذ سهما من كنانته ويجمع الناس ثم يرميه بالسهم ويقول: باسم رب الغلام، ثم نفذ الملك ذلك فآمن الناس كلهم برب الغلام، فأمر الملك أن تُخدّ الأخاديد وتُضرم فيها النيران ويُلقَى من امتنع منهم عن الدخول ـ في دين الملك ـ في النار ... إلى آخر الحديث

وقد احتج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بهذا الحديث على جواز قتل النفس من أجل مصلحة ظهور الدين، كما في الفتاوى الكبرى (28/ 540) . واحتج محمد بن إبراهيم آل الشيخ على جواز قتل الأسير نفسه إذا أيقن أنه مقتول، وخاف أن يعطي أسرار المسلمين، كما في فتاواه [1] .. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود، وفيها؛ أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر.

فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره، كان ما يفضى إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك، ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى.

وإذا كانت السنّة والإجماع متفقين على أن الصائل المسلم إذا لم يندفع صوله إلا بالقتل؛ قتل، وإن كان المال الذي يأخذه قيراطًا من دينار) [[2] ].

ويستفاد من هذه الحادثة أن الغلام قتل نفسه بأمره وإرادته بعد أن فشل الملك في قتله مرتين، فأخبره الغلام عن الطريقة التي يقتله بها، كما جاء في صحيح مسلم في حديث الغلام: (فقال للملك - أي الغلام -؛ إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فقال؛ وما هو؟ قال؛ تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل؛ بسم الله رب الغلام، ثم أرمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال؛ باسم الله رب الغلام، ثم رماه في صدغه، فوضع يده في صدغه، في موضع السهم، فمات، فقال الناس؛ آمنا برب الغلام) .. كما أن المؤمنين الذين آمنوا بالغلام آثروا القتل بإرادتهم على الكفر؛ إظهاراً للدين، كما جاء في الحديث المذكور: (فأمر - أي الملك - بالأخدود في أفواه السكك، فخدّت، وأضرم النيران، وقال؛ من لم يرجع عن دينه فاحموه فيها - أو قيل له اقتحم - ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام؛ يا أمه اصبري فإنك على الحق) ، فدخولهم النار بأنفسهم لا يمكن أن يكون ظلماً وعدواناً ولا يمكن أن يقون إلقاء للنفس في التهلكة، بل إن هذا الفعل يحبه الله سبحانه ويمدحه ويترتب عليه من المصالح والحكم ما لا يعلمه إلا الله.

كذلك الحديث من قوة دلالته على المسألة - إتلاف المؤمن لنفسه من أجل مصلحة الدين - استدل به شيخ الإسلام رحمه الله على صورة أخرى من صور إتلاف النفس لمصلحة الدين - وهي الانغماس في صف الكفار - فقال رحمه الله: (روى مسلم في صحيحه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود، وفيها؛ أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين) .

واستدل به الشيخ محمد بن إبراهيم - مفتي السعودية السابق - على صورة أخرى من صور إتلاف النفس لمصلحة الدين، وهي قتل الأسير لنفسه حتى لا يبوح بأسرار المسلمين، فكأن هذا الحديث صار أصلاً في المسألة تقاس عليه صورها المختلفة

ومن أمثلة ذلك قصة أنس بن النضر رضي الله عنه: بوب البخاري رحمه الله: (باب قول الله عز وجل {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} ، قال: حدثنا محمد بن سعيد الخزاعي، حدثنا عبد الأعلى عن حميد، قال: سألت أنسا، ح: حدثنا عمرو بن زرارة، حدثنا زياد، قال: حدثني حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه، قال: (غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال؛ يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع! فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال؛ اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال؛ يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، فقال سعد؛ فما استطعت يا رسول الله ما صنع! قال أنس؛ فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس؛ كنا نرى - أو نظن - أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه، {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. . . إلى آخر الآية} .

قال ابن حجر: (وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد؛ جواز بذل النفس في الجهاد, وفضل الوفاء بالعهد ولو شق على النفس حتى يصل إلى إهلاكها, وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء إلى التهلكة، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين) [[3] ].

قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد المأخوذة من غزوة أحد: (ومنها؛ جواز الانغماس في العدو، كما انغمس أنس بن النضر وغيره) [[4] ].

قال محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة: (لا بأس بأن يحمل الرجل وحده - أي على العدو - وإن ظن أنه يقتل إذا كان يرى أنه يصنع شيئاً يقتل أو يجرح أو يهزم) ، ثم قال: (فأما إذا كان يعلم أنه لا ينكي فيهم، فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم) ، ثم قال السرخسي في شرحه تعليقاً على الشيباني: (فالشرط أن تكون حملته تنكي فيهم ظاهراً) [[5] ].

وقال أيضا رحمه الله فيما حكاه عنه الإمام أبي بكر الجصاص نقلاً عن"السير الكبير": (أن رجلا لو حمل على ألف رجل وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية؛ فإني أكره له ذلك لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين، وإنما ينبغي للرجل أن يفعل هذا إذا كان يطمع في نجاة أو منفعة للمسلمين، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه يجزئ المسلمين بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل فيقتلون وينكون في العدو فلا بأس بذلك إن شاء الله، لأنه لو كان على طمع من النكاية في العدو ولا يطمع في النجاة لم أر بأسا أن يحمل عليهم، فكذلك إذا طمع أن ينكى غيره فيهم بحملته عليهم فلا بأس بذلك، وأرجو أن يكون فيه مأجوراً، وإنما يكره له ذلك إذا كان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه مما يرهب العدو، فلا بأس بذلك لأن هذا أفضل النكاية وفيه منفعة للمسلمين) [[6] ].

وقال الإمام أبي بكر الجصاص بعد ذكره لكلام محمد بن الحسن المذكور آنفاً: (والذي قال محمد من هذه الوجوه؛ صحيح لا يجوز غيره، وعلى هذه المعاني يحمل تأويل من تأول في حديث أبي أيوب، أنه ألقى بيده إلى التهلكة بحمله على العدو، إذ لم يكن عندهم في ذلك منفعة، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن يتلف نفسه من غير منفعة عائدة على الدين ولا على المسلمين، فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين فهذا مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} ، وقال {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ، وقال {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} ) .

قال ابن حجر رحمه الله: (وأما مسألة؛ حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن, ومتى كان مجرد تهور فممنوع, ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين, والله أعلم) [[7] ].

وروى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده من حديث سلمة ابن الأكوع الطويل، وفيه، قال سلمة رضي الله عنه: (قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت أنا و رباح - غلام النبي صلى الله عليه وسلم - بظهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجت بفرس ل طلحة بن عبيد الله أريد أن أنديه مع الإبل، فلما كان بغلس، أغار عبد الرحمن بن عينية على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل راعيها، وخرج يطردها وأنا معه في الخيل، فقلت؛ يا رباح! اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد أُغير على سرحه، قال؛ وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة، ثم ناديت ثلاث مرات؛"يا صباحاه"، قال؛ ثم اتبعت القوم معي بسيفي ونبلي، فجعلت أرميهم, اعقر بهم) ، إلى أن قال رضي الله عنه: (فما برحت مقعدي ذلك، حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي و على إثره أبو قتادة الأنصاري وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذت بعنان الأخرم، فقلت؛"يا أخرم! احذرهم لا يقتطعونك، حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه"، قال؛"يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة"، قال؛ فخليته، فالتقى هو وعبد الرحمن بن عينية، فعقر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه، ولحق أبو قتادة بعبد الرحمن فقتله. . . الحديث) .

قال النووي رحمه الله في فوائد الحديث: (ومنها؛ ما كانت الصحابة رضي الله عنهم عليه من حب الشهادة والحرص عليها، ومنها؛ إلقاء النفس في غمرات القتال, وقد اتفقوا على جواز التغرير بالنفس في الجهاد في المبارزة ونحوها، ومنها؛ أن من مات في حرب الكفار بسبب القتال يكون شهيدا سواء مات بسلاحهم أو رمته دابة أو غيرها, أو عاد عليه سلاحه) [[8] ].. قال ابن النحاس رحمه الله: (وفي هذا الحديث الصحيح أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده، وإن غلب على ظنه أنه يقتل، وإذا مخلصاً في طلب الشهادة، كما فعل الأخرم الاسدي رضي الله عنه، ولم يعب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه، ولم ينه الصحابة عن مثل فعله، بل في الحديث دليل على استحباب هذا الفعل وفضله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مدح ابا قتادة وسلمة على فعلهما، مع أن كل واحد منهما حمل على العدو وحده، ولم يتأن إلى أن يلحق به المسلمون) اهـ

وقد أفتى جماعة من أهل العلم المعاصرين بجواز هذه العمليات، ومن أشهر من أفتى بذلك:

-الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين.

-الشيخ حسن أيوب، حيث أفتى بجواز صورة من هذه العمليات.

-مفتي نظام الدين شامزي.

-الدكتور عبد الله عزام رحمه الله.

-الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز.

-الدكتور يوسف القرضاوي.

-الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ الذي أفتى بجواز قتل الأسير نفسه مخافةإفشاء الأسرار

ـ الشيخ محمد الصالح العثيمين ـ رحمه الله ـ.

ـ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ.

ـ الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي ـ رحمه الله ـ.

ـ الشيخ سليمان بن منيع ـ حفظه الله ـ.

ـ الشيخ سليمان العلوان ـ حفظه الله ـ.

ـ الشيخ علي الخضير ـ حفظه الله ـ.

ـ الشيخ سلمان العودة ـ حفظه الله ـ.

ـ الدكتور أحمد عبد الكريم نجيب ـ حفظه الله ـ.

ـ الشيخ حامد بن عبد الله العلي ـ حفظه الله ـ.

ـ الشيخ عجيل بن جاسم النشمي ـ حفظه الله ـ.

ـ مجمع الفقه الإسلامي السوداني.

ـ رابطة علماء فلسطين.

تنبيه مهم: أثر اليد الفاعلة على الحكم:

قال الشيخ ابن عثيمين: هذا الشاب الذي وضع على نفسه اللباس الذي يقتل، أول من يقتل نفسه، فلا شك أنه هو الذي تسبب في قتل نفسه، ولا يجوز مثل هذه الحال إلا إذا كان في ذلك مصلحة كبيرة للإسلام، فلو كانت هناك مصلحة كبيرة ونفع عظيم للإسلام، كان ذلك جائزا.

وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك .. وضرب لهذا مثلا بقصة الغلام،

يقول شيخ الإسلام: وهذا حصل فيه نفع كبير للإسلام.

وإن من المعلوم أن الذي تسبب في قتل نفسه هو هذا الغلام لاشك، لكنه حصل بهلاك نفسه نفع كبير، آمنت أمة كاملة، فإذا حصل مثل هذا النفع، فللإنسان أن يفدي دينه بنفسه، اهـ.

قال الشيخ الشعيبي: .. حديث الغلام وقصته معروفة وهي في الصحيح، حيث دلهم على طريقة قتله فقتلوه شهيدا في سبيل الله، وهذا نوع من الجهاد، وحصل نفع عظيم ومصلحة للمسلمين حيث دخلت تلك البلاد في دين الله، بل لم يستطيعوا قتله إلا بطريقة هو دلهم عليها فكان

(1) (6/ 207 - 208) فتوى رقم: (1479) .

(2) مجموع الفتاوي لابن تيمية: ج 28 / ص 540

(3) فتح الباري / كتاب الجهاد والسير / باب قول الله عز وجل {ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} ، حديث: 2805 / ج 6 / ص 26 - 29

(4) زاد المعاد، ج 3 / ص 211

(5) انظر شرح السير الكبير 1/ 163 - 164

(6) أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد الرواي الجصاص، ج 3 / ص 262 - 263، دار الفكر

(7) فتح الباري / كتاب التفسير / باب"وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين"/ الحديث: 4516 / ج 8 / ص 33 - 34

(8) شرح مسلم، كتاب الجهاد والسير، ج 12/ 327، باب غزوة ذي قرد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت