متسبباً في قتل نفسه، لكن أُغتفر ذلك في باب الجهاد، ومثله المجاهد في العمليات الاستشهادية، فقد تسبب في ذهاب نفسه لمصلحة الجهاد، .. دل ما سبق على أنه يجوز للمجاهد التغرير بنفسه في العملية الاستشهادية وإذهابها من أجل الجهاد والنكاية بهم ولو قتل بسلاح الكفار وأيديهم كما في الأدلة السابقة في مسألة التغرير والانغماس، أو بسلاح المسلمين وأيديهم كما في مسألة التترس أو بدلالةٍ تسبب فيها إذهاب نفسه كما في قصة الغلام، فكلها سواء في باب الجهاد لأن باب الجهاد لما له من مصالح عظيمة اُغتفر فيه مسائل كثيرة لم تغتفر في غيره مثل الكذب والخداع كما دلت السنة، وجاز فيه قتل من لا يجوز قتله، وهذا هو الأصل في مسائل الجهاد ولذا أُدخلت مسألة العمليات الاستشهادية من هذا الباب.
أما مسألة قياس المستشهد في هذه العمليات الاستشهادية بالمنتحر فهذا قياس مع الفارق، اهـ.
قال الشيخ العلوان: وقد رخص أكثر أهل العلم أن ينغمس المسلم في صفوف الكفار ولو تيقن أنهم يقتلونه والأدلة على ذلك كثيرة.
فإن الغلام قد دل الملك على كيفية قتله حين عجز الملك عن ذلك بعد المحاولات والاستعانة بالجنود والأعوان.
ففعلُ الغلام فيه تسبب في قتل النفس والمشاركة في ذلك والجامع بين عمل الغلام والعمليات الاستشهادية واضح فإن التسبب في قتل النفس والمشاركة في ذلك حكمه حكم المباشرة لقتلها.
والغاية من الأمرين ظهور الحق ونصرته والنكاية باليهود والنصارى والمشركين وأعوانهم وإضعاف قوتهم وزرع الخوف في نفوسهم.
والمصلحة تقتضي تضحية المسلمين المجاهدين برجل منهم أو رجالات في سبيل النكاية في الكفار وإرهابهم وإضعاف قوتهم قال تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ... } الأنفال.
وقال الشيخ حامد العلي:"والفرق بين هذين الفرعين، هو نفس الفرق بين التسبب في القتل ومباشرة القتل، غير أنه في هذه الحالة قتل النفس وليس قتل الغير، وعامة العلماء لا يفرقون بين التسبب والمباشرة في الحكم، ومعنى التسبب كما لو شهد شاهدان كذبا على مسلم فقُتِل حداً، فإنَّ عليهما القصاص إذا أقرّا بكذبهما في الشهادة."
وبهذا يعلم أنّه إذا جاز للمجاهد أن يتسبب بقتل نفسه بالانغماس في صف العدو وهو لا يرجو النجاة، فالحكم لا يتغير فيما لو باشر قتل نفسه في صف العدو وبين ظهرانيهم، وذلك بقصد قتل أكبر عدد منهم لا قتل نفسه، وإنما جعل نفسه وسيلة وسببا لذلك فحسب، لا فرق بين الصورتين في الحكم الشرعي، لأن التسبب له نفس حكم المباشرة في القصاص، فكذلك له نفس الحكم في مسألتنا هذه إذ لا فرق بينهما"."
ثانيا: لماذا تمّ التنفيذ بعمليات استشهادية: