الصفحة 67 من 72

رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيدي فانطلق بي إلى النخل، فإذا ابنه إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ يجود بنفسه⁽١⁾، قال: فأخذه فوضعه في حجره، فذرفت عيناه، ثم قال: «يا بُنَيَّ، ما أملكُ لك من الله شيئًا»، ثم بكى. فقلت: يا رسول الله، أتبكي! أولم تنه عن البكاء؟ قال: «إنما نهيتُ عن النَّوحِ؛ عن صَوتين أحمقين فاجرين: صوتٌ عند نعمةٍ، لهوٍ، ولعبِ مزامير شيطان. وصوتٌ عند مُصيبةٍ، خمشُ وجوهٍ، وشقُّ جيوب، ورنَّةُ شيطان. وهذه رحمةٌ، من لا يَرحَمْ لا يُرحَم. يا إبراهيم، لولا أنه أمرٌ حقٌّ، ووعدٌ صدقٌ، وأنها سبيلٌ مأتِيَّةٌ لا بُدَّ منها حتى يلحقَ آخرُنا بأولنا؛ لحزنا عليك حزنًا هو أشدُّ من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العين، ويحزنُ⁽٢⁾ القلب، ولا نقول ما يُسخِطُ الرب عَزَّ وَجَلَّ»⁽٣⁾.

--------------------

(١) في «النهاية» (١/ ٣١٢) : «يجود بنفسه» أي: يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله يجود به. والجود: الكرم. يريد أنه كان في النزع وسياق الموت. اهـ.

(٢) في الأصل: (يحزق) ، وما أثبته من كتاب «الأربعين» للمصنف.

(٣) رواه المصنف في «الأربعين» (الحديث السادس والثلاثون) ، وانظر تخريجه هناك. - وفي «ذم الملاهي» (٦٥) عن الحسن، قال: صوتان ملعونان: مزمارٌ عند نعمة، ورنةٌ عند مُصيبة. - قال ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ في «مسألة السماع» (ص٢٦) : أراد بالصوت الأول: ما يُحدثه الحزن والمصيبة من النياحة والدعاء بالويل وتوابع ذلك. وبالصوت الثاني: ما يُحدثه الطرب واللَّذَّة من الغناء وتوابعه، فإن في النفس قوة الطرب وقوة الحزن والأسف، فإذا ورد عليها وارد أثار منها ذلك، وأثر فيها هذا الصوت وتوابعه، وهذا الصوت وتوابعه بحسب قوة الوارد =

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت