حَبَسْنَاهُمْ فِي دَارَة الْعَبْدِ رَافِعٍ ... وَعِنْدَ بُدَيْلٍ مَحْبِسًا غَيْرَ طَائِلِ
حَبَسْنَاهُمْ حَتّى إذَا طَالَ يَوْمُهُمْ ... نَفَخْنَا لَهُمْ مِنْ كُلّ شِعْبٍ بِوَابِلِ [ (1) ]
ذَبَحْنَاهُمْ ذَبَحَ التّيُوسِ كَأَنّنَا ... أُسُودٌ تَبَارَى فِيهِمْ بِالْقَوَاصِلِ [ (2) ]
قَالَ: وَمَشَى الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَا: هَذَا أَمْرٌ لَا بُدّ لَهُ مِنْ أَنْ يُصْلَحَ، وَاَللهِ لَئِنْ لَمْ يُصْلَحْ هَذَا الْأَمْرُ لَا يَرُوعُكُمْ إلّا مُحَمّدٌ فِي أَصْحَابِهِ! قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ رَأَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ رُؤْيَا كَرِهَتْهَا وَأَفْظَعَتْهَا وَخِفْت مِنْ شَرّهَا. فَقَالَ الْقَوْمُ: مَا هِيَ؟ قَالَ:
رَأَتْ دَمًا أَقْبَلَ مِنْ الْحَجُونِ يَسِيلُ حَتّى وَقَفَ بِالْخَنْدَمَةِ [ (3) ] مَلِيّا، ثُمّ كَانَ ذَلِكَ الدّمُ لَمْ يَكُنْ. فَكَرِهَ الْقَوْمُ هَذَا، وَقَالُوا: هَذَا شَرّ.
فَحَدّثَنِي مُجَمّعُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ مَا رَأَى مِنْ الشّرّ قَالَ: هَذَا وَاَللهِ أَمْرٌ لَمْ أَشْهَدْهُ وَلَمْ أَغِبْ عَنْهُ، لَا حُمِلَ هَذَا إلّا عَلَيّ، وَلَا وَاَللهِ مَا شُووِرْت وَلَا هُوِيت حَيْثُ بَلَغَنِي! وَاَللهِ لَيَغْزُونَا مُحَمّدٌ إنْ صَدَقَنِي ظَنّي وَهُوَ صَادِقِي، وَمَا لِي بُدّ أَنْ آتِيَ مُحَمّدًا فَأُكَلّمَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الْهُدْنَةِ وَيُجَدّدُ الْعَهْدَ قَبْل أَنْ يَبْلُغَهُ هَذَا الْأَمْرُ. فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدْ وَاَللهِ أَصَبْت الرّأْيَ! وَنَدِمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى مَا صَنَعَتْ مِنْ عَوْنِ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ، وَعَرَفُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنْ [ (4) ] يَدْعُهُمْ حَتّى يَغْزُوَهُمْ. فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ، وَخَرَجَ مَعَهُ مَوْلًى لَهُ عَلَى رَاحِلَتَيْنِ، فَأَسْرَعَ السّيْرَ وَهُوَ يَرَى أَنّهُ أوّل
[ (1) ] الوابل: المطر الشديد، وأراد به هنا دفعة الخيل. (شرح أبى ذر، ص 365) .
[ (2) ] يجوز أن يريد هنا السيوف. وسيف قاصل وقصال، أى قاطع. (أساس البلاغة، ص 772) .
[ (3) ] الخندمة: جبل بمكة. (معجم ما استعجم، ص 319) .
[ (4) ] فى الأصل: «لم يدعهم» .