224 -عَبْد الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أَبِي الفضل بن عَليّ بن عَبْد الواحد، قاضي القضاة أبو القاسم جمال الدين ابن الحَرَسْتَاني الْأَنْصَارِيّ الخَزْرَجِي العُباديّ السَّعْديّ الدِّمَشْقِيّ الفقيه الشافعي. [المتوفى: 614 هـ]
ولد سنة عشرين وخمسمائة في أحد الربيعين، وَسَمِعَ من عَبْد الكريم بْن حَمْزَة، وطاهر بن سهل بن بِشْر الإسفرايينيّ، وجمال الإِسْلَام أَبِي الحَسَن عَليّ بن المُسَلِّم، وعَليّ بن أَحْمَد بن منصور بن قُبيس، ونصر اللَّه المصِّيصي الفقيه، وهبة اللَّه بن أَحْمَد بن طاوس، ومعالي بن هبة الله ابن الحُبُوبيّ، وَأَبِي الْقَاسِم الحُسين بن البُن، وَأَبِي الحَسَن عَليّ بن سُلَيْمَان المُراديّ، وجماعة.
وتَفَرَّدَ بالرواية عن أكثر شيوخه، وحدَّث بالإجازة عَن أَبِي عَبْد اللَّه الفُرَاويّ، وهبة اللَّه السَّيِّدي، وزاهر الشَّحامي، وعبد المنعم ابن القُشَيْريّ، وَإسْمَاعِيل القارئ، وغيرهم؛ استجازهم لَهُ الحَافِظ أبو القاسم. - [412] -
وحدَّث بـ"صحيح"مسلم، وبـ"دلائل النبوة"للبيهقي، وبأشياء كثيرة من الكتب والْأجزاء.
وَأَوَّل سماعه في سنة خمسٍ وعشرين.
وتَفَقَّه في شبيبته، وبرعَ في المذهب، ودرَّس، وأفتى، وطال عمره، وتفرَّد عن أقرانه.
سَمِعَ منه أَبُو المواهب بن صصرى، والقُدماء؛ وَرَوَى عَنْهُ البِرْزَاليّ، وابن النَّجَّار، وَالضِّيَاء، وابنُ خليل، وَالقُوصِيّ، والزكي عبد العظيم، وابن عبد الدائم، والصاحب أبو القاسم ابن العديم، والشرف عَبْد الواحد بن أَبِي بَكْر الحَمَوي؛ وأخوه أَحْمَد، والنجم إِبْرَاهِيم بن محاسن التَّنُوخِيّ، والنَّجِيب نصر اللَّه الشَّيْبَانِيّ، ونصر بن تروس، والجمال عَبْد الرَّحْمَن بن سالم الْأنباري، والزين خَالِد، وَأَبُو غالب مُظَفَّر بن عُمَر الْجَزَريّ، والزين عَليّ بن أَحْمَد القُرْطُبيّ، وَأَبُو الغنائم بن علاّن، وأبو حامد محمد ابن الصَّابوني، وأبو بكر محمد ابن الْأَنْمَاطِي، وأبوه، ويوسف بن تمّام السُّلمي، وَمُحَمَّد بن عبد المنعم ابن القواس، وأخوه شيخُنا عُمَر، وَمُحَمَّد بن أَبِي بَكْر العامري، ونسيبه أَحْمَد بن عَبْد القادر العامريّ، وَأَبُو بَكْر بن مُحَمَّد بن طَرْخان، والقاضيان ٍشمس الدين ابن أبي عمر وشمس الدين ابن العماد، والفخر علي ابن البخاري، والبرهان إبراهيم ابن الدَّرجي، وَعَبْد الرَّحْمَن بن أَحْمَد الفاقُوسيّ، والشمس عبد الرحمن ابن الزين، والشمس محمد ابن الكمال، وأبو بَكْر بْن عُمَر بْن يُونُس المِزّيّ، وتقي الدين إبراهيم ابن الوَاسِطِيّ، وخلقٌ سواهم.
وَرَوَى عَنْهُ من القدُماء الحافظان عَبْد الغني وَعَبْد القادر الرُّهاوي، وَرَوَى عَنْهُ بالإجازة شيخُنا العماد عَبْد الحَافِظ، وَعَائِشَة بنت المَجْد، وجماعة.
وَكَانَ إمامًا فقيهًا، عارفًا بالمذهب، ورعًا، صالحًا، محمود الْأحكام، حسنَ السيرة، كبيرَ القدر. رحل إلى حلب وتَفَقَّه بها عَلَى المحدِّث الفقيه أَبِي الحَسَن المُراديّ. وولي القضاء بدمشق نيابةً عن أَبِي سَعِد بن أَبِي عصرون، ثم ولي قضاء الشام في آخر عمره في سنة اثنتي عشرة. - [413] -
قال ابن نقطة: هو أسند شيخ لقينا من أهل دمشق، حسن الإنصات، صحيح السماع.
وقال أبو شامة: دخل أبوه من حرستا فنزل بباب توما، وأمَّ بمسجد الزَّينبي، ثُمّ أمَّ فيه جمال الدين ابنه، ثُمَّ سكن جمال الدين بداره بالحُويْرة، وَكَانَ يلازم الجماعة بمقصورة الخَضَر، ويحدِّث هناك، ويجتمع خلق، مَعَ حُسن سَمْته وسكونه وهيبته. حدَّثني الفقيه عزّ الدّين عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد السَّلَام أَنَّهُ لم ير أفقه منه، وَعَلَيْهِ كَانَ ابتداء اشتغاله، ثُمَّ صحِب فخر الدين ابن عساكر، فسألته عَنْهُمَا، فرجّح ابن الحَرَسْتَاني وَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ يحفظ كتاب"الوسيط"للغزاليّ.
قَالَ أَبُو شامة: لَمَّا ولي القضاء محيي الدين ابن الزَّكي لم يُنِبْ عَنْهُ، وبقي إلى (أن) ولّاه الملك العادل القضاء، وعزَلَ قاضي القضاة زكيّ الدين الطّاهر، وأخذ منه مدرستيه العزيزية، والتَّقوية. فأعطى العزيزية مَعَ القضاء لابن الحَرَسْتَاني، واعتنى بِهِ العادل وأقبل عليه، وأعطى التقوية لفخر الدين ابن عساكر.
وَكَانَ جمال الدين يجلس للحكم بالمُجاهدية، ونابَ عَنْهُ ولدُه عمادُ الدين، ثُمَّ شمس الدين أبو نصر ابن الشيرازي، وشمس الدين ابن سَنيّ الدَّوْلَة. وبقي في القضاء سنتين وسبعة أشهر، وَتُوُفِّي، فكانت لَهُ جنازة عظيمة، عَلَى أَنَّهُ امتنع من الولاية لَمَّا طُلب إليها حَتَّى ألحّوا عَلَيْهِ فيها.
وَكَانَ صارمًا، عادلًا عَلَى طريقة السَّلف في لباسه وعفَّته؛ ولقد بلغني - يَقُولُ أَبُو شامة - أَنَّ ابنَ الحَرَسْتَاني ثبت عنده حقّ لامرأة عَلَى بيت المال، فأحضر وكيل بيت المال الجمال المَصْرِيّ، فأمره أن يسلّم إليها ما ثبت لها، وَكَانَ بُستانًا، فاعتذر بالمساء، وَقَالَ: في غد أسلمه إليها. فَقَالَ: ربّما أموت - [414] - أَنَا الليلة ويتعوّق حقُّها، فما برح حَتَّى تسلّمت حقّها، وكتب لها محضرًا بذلك وحكم به.
وقال أبو المظفَّر سبط ابن الْجَوْزيّ: كَانَ زاهدًا، عفيفًا عابدًا، ورعًا، نزهًا، لَا تأخذه في اللَّه لومة لائم. اتفق أهل دمشق عَلَى أَنَّهُ ما فاتته صلاة بجامع دمشق في جماعة إِلَّا إِذَا كَانَ مريضًا. ثُمَّ ذكر حكايات من مناقبه، وَقَالَ: حكى لي ولدُه، قَالَ: كَانَ أحد بني قوام يتّجر للمعظَّم عيسى في السُّكّر وغيره، فمات، فوضع ديوان المُعَظَّم يدهم عَلَى التركة، وبعث المعظم إلى أبي يقول: هذا كَانَ تاجرًا لي، والتركة لي، وأريد تسليمها، فأبى عَلَيْهِ إِلَّا بثبوت شرعيّ أَوْ يحلف، فقال المعظم: والله ما أحقق ما لي عنده، ولم يثبت شيئًا.
قَالَ أَبُو المُظَفَّر: وحكى لي جماعة أَنَّ الملك العادل كتب إِلَيْهِ يوصيه في حكومة، فأحضر الخصم وفي يده الكتاب لم يفتحه وظهر الخصم عَلَى حامل الكتاب إلى القاضي، فقضى عَلَيْهِ، ثُمَّ قرأ الكتاب، ورمى بِهِ إِلَيْهِ، وَقَالَ: كتاب اللَّه قد حكم عَلَى هَذَا الكتاب. فبلغ العادل قوله فَقَالَ: صدَقَ كتاب اللَّه أولى من كتابي. وَكَانَ يَقُولُ للعادل: أَنَا ما أحكم إِلَّا بالشرع وإلّا فما سألتك القضاء، فإنْ شئت، وإلا فأبصر غيري. وحكى لي الشمس ابن خلدون قَالَ: أحضر القاضي عماد الدين بين يدي أَبِيهِ صحن حلوى وَقَالَ: كُل. فاستراب، وَقَالَ: من أَيْنَ هَذَا؟ تريد أن تُدخلني النّار؟ ولم يذُقْه.
قَالَ أَبُو شامة: هُوَ الَّذِي ألحّ عَلَى أَبِيهِ حَتَّى تولى القضاء. وَحَدَّثَنِي عماد الدين قَالَ: جاء إِلَيْهِ شرف الدين ابن عُنين، فَقَالَ: السُّلْطَان يُسلّم عليك ويوصي بفلان فإنّ لَهُ محاكمة، فغضب، وَقَالَ: الشرع ما يكون فيه وصية، لَا فرق بين السُّلْطَان وغيره في الحق.
وَقَالَ المُنْذِريّ: سَمِعْتُ منه، وَكَانَ مهيبًا، حسنَ السمت، مجلسُهُ - [415] - مجلس وقار وسكينة، يبالغ في الإنصات إلى من يقرأ عَلَيْهِ. تُوُفِّي في رابع ذي الحجَّة، وَهُوَ في خمس وتسعين سنة.