الدنيا وما فيها فلا يقرأ الجرائد العلمية ولا السياسية ولا يعرف شيئًا من أحوال الممالك ولا يقرأ تقويم البلدان (الجغرافيا) ولا علم له بشيء من الجاري بين الملوك والطوائف ولا وقوف له على حوادث الحروب واختلاف الأمم ولا إلمام عنده بصنعة أو زراعة أو أصول تجارة ولا يبحث في مخترع يسمع به ومقترح يرد عليه كأنه في جب لا سكان فيه إلا من ماثله في هذا التجرد الشنيع مع أنه يعلم أنه يطلب العلم ليكون مؤهلًا للإفتاء والقضاء وهاتان الوظيفتان أرقى وظائف السياسة
القضائية المتصلة بكثير من الفروع الإدارية. وبهذا الأعراض عن الضروريات الدولية والمعاشية وقع كثير من العلماء في الخطاء اغترارًا بغاش يزين لهم الألفاظ الأسئلة ليقيم عليهم الحجة بأجوبتهم وأبعدت جموع العلماء عن مجالس الأمراء لعدم اقتدارهم على مشاركتهم في تبادل الأفكار إذا لا يعلمون من لوازم الدولة شيئًا. ثم أن طريقة الامتحان التي ربطت أخيرًا هي طريقة لقطع العلماء وإقفال الأزهر وما أظنها إلا دسيسة دست على العلماء ولم يتفطنوا لها فإنه إذا كان في الأزهر عشرة آلاف رجل ولا يخرج منهم بالامتحان إلا ستة رجال مثلًا كل سنة ففي كم من القرون تعطى الشهادات للباقين فضلًا عن أن الواردين يزدادون كل سنة وإذا ضاق الطالب من طول الزمن وسافر إلى بلاده بلا شهادة منع من التدريس والدخول في عداد العلماء لأن عمله لا يفيده شيئًا ما دامت يده خالية من الشهادة فإذا تأملنا في قانون الامتحان الذي وضع أخيرًا تحققنا أنه سيف قاطع للعلماء من الأزهر بضيق الطلبة وعلمهم أنهم لا يعطون الشهادة إلا بعد انتهاء الأعداد