الصفحة 1567 من 3036

إن الصف الأول من المخاطبين والمعارضين في مكة كانوا مشركي قريش، وهم أميون لا كتاب لهم، فاقتضت البلاغة أسلوبًا عاليًا قويًا وإجمالًا معجزًا مقنعًا، وتكرارًا يستلزمه التثبيت في الأفهام، لذا بحثت أغلب السور المكية أركان الإيمان ومراتب التوحيد بأسلوب في غاية القوة والعلو، وبإيجاز في غاية الإعجاز، وكررت الإيمان بالله والمبدأ والمعاد والآخرة كثيرًا، بل قد عبرت عن تلك الأركان الإيمانية في كل صحيفة أو آية، أو في جملة واحدة، أو كلمة واحدة، بل ربما عبرت عنها في حرف واحد، في تقديم وتأخير، في تعريف وتنكير، في حذف وذكر، فأثبتت أركان الإيمان في أمثال تلك الحالات والهيئات البلاغية إثباتًا جعل علماء البلاغة وأئمتها يقفون حيارى مبهورين أمام هذا الأسلوب المعجز.

أما الآيات المدنية وسورها، فالصف الأول من مخاطبيها ومعارضيها كانوا من اليهود والنصارى وهم أهل كتاب مؤمنون بالله، فاقتضت قواعد البلاغة وأساليب الإرشاد وأسس التبليغ أن يكون الخطاب الموجه لأهل الكتاب مطابقًا لواقع حالهم، فجاء بأسلوب سهل واضح سلس، مع بيان وتوضيح في الجزئيات - دون الأصول والأركان (الإيمانية) - لأن تلك الجزئيات هي منشأ الأحكام الفرعية والقوانين الكلية، ومدار الاختلافات في الشرائع والأحكام... لذا فغالبًا ما نجد الآيات المدنية واضحة سلسة بأسلوب بياني معجز خاص بالقرآن الكريم..." (1) ."

ففي هذا النص مقارنة بين الأسلوبين، وبيان ميزة كل من الآيات المكية والمدنية، ولم يقصد النورسي إجراء مقارنة شاملة بين المكي والمدني من الآيات، إنما اقتصر على أمر واحد هو: الأسلوب والبلاغة ، وقد أجاد في هذه المقارنة.

(1) الشعاعات، ص308 و309.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت