النورسي
في رحاب القران
أ.د. عشراتي سليمان
جامعة وهران-الجزائر
بسم الله الرحمن الرحيم
إستهلالة
رسائل النور كينونة فكرية وروحية متكاملة، استطاع النورسي العبقري أن يضمنها ماهيته على صعيد تجربة العمر في مختلف امتداداتها..
لقد استوعبت تلك الرسائل قطاعات حياته في أطوارها المتلاحقة، بحيث جاءت النصوص تحمل فكرا مقتطعا من ذاته .. فكر يرسو على عقلنة متميزة لم تفصله عن مغرسه الروحي والنفسي والإنساني الذي نشأ فيه..
لقد جاءت الرسائل تترجم حضورا حميما وملموسا للنورسي، بحيث عكست مضامينها الروحية والوجدانية خلجاته وانفعالاته واستبصاراته وحميته ومزاجه ورجاحته وتصميمه وبسالته..بصورة جلية ومن زاوايا رصد كثيرة..
لقد جمعت هذه الرسائل إلى رجاحتها الروحانية الوطيدة، الطابع الشفاف الذي يسم السيرة الذاتية ..
من هنا انتصبت رسائل النور، لا لتنوب عن واضعها في تأدية خطابه إلى العالمين، ولكنها جاءت لتثبت له الحضور الحيوي، ولتجعل صوته يرتفع، ليس من خلف تفاصيل مكتوبة، ولكنه صوت حي بنبرته المتحركة، وحرارته المنبجسة، من خلال ماهية معنوية، بل وحسية، متشخصة، لا نكاد نفتقد منها قطميرا..
حقا لقد أدرك النورسي الحكمة التي تجعل من غيبته وارتحاله إلى الرفيق الأعلى حضورا واقعيا يسترسل في الزمن..
كلا، إنها ليست فكرا محضا، ولا هي سيرة بحتة، ولكنها حياة وتأثير وديمومة واختراق باهر لحدود العمر المقيدة بكتاب..
فالرسائل هي النورسي نفسه وهو يعيش نعمة الخلود..
وبما أن الرسائل هي جنود مجندة من الطلبة والتلاميذ الذين لا تفتأ تتسع بُقَعُهُمْ وتنتشر عبر آفاق الجغرافيا وأصقاعها المتباعدة، فلا جرم يكون النورسي قد استطاع - فعلا - أن ينفذ من خلال تفاريج الزمن، وأن يجايل الدفعات المتلاحقة من الشباب المسلم، وأن يعيش البقاء من موقع المسؤولية الريادية، والتحريض الشهم، والمقاتلة المعززة باليقين..