الصفحة 1085 من 3036

وربما قلنا إن شأن الرسائل هذا، هو شأن كل أثر إنساني قام على حد من الأصالة والمصداقية .. إذ لا تعدم الأجيال - في كل أمة - ذلك الوجه السحري الذي تنفثه العطاءات عندما ينتسجها أصحابها من خلايا أجسامهم.

والحقيقة أن الرسائل تجاوزت النطاق الشخصي أو الإيديولوجي الذي يؤسس وجاهته - في العادة - على قاعدة إبراز المناحي الذاتية التي تتثمن بها التجربة..

ومعلوم أن الظواهر والتجارب، هي في الأصل أفكار وعقائد تحولت من نطاق الحلم إلى إطار الواقع المعيش..

فالفكرة أو العقيدة قد تتحول من طابعها المعنوي، لتغدو ظاهرة أو حركة أو ثورة تعمل على تغيير الأوضاع الرميم واجتثاث الجذور الموات..

وهي من جهة أخرى قد تكون واقعا مضطرما، متحركا، ما يفتأ يفرز قواعده ومبادئه، بحيث تتحول -في المحصلة النهائية - تلك القواعد والمبادئ إلى أيديولوجية تتوهج إلى حين، لكن جمارها لا تلبث أن تخبو بفتور الحماسة ومُضِيَّ العقود ..

ولقد بدأت الرسائل واقعا مراسيا سياسيا واصلاحيا، ثم تحولت إلى فكرة، حين انسحب صاحبها ليرابط في صومعة القرآن، وليعيش عزلة إرادية كانت سبيله المفضل لمفاعلة ذلك الواقع المناهض لحركة التاريخ..

وكان مهيأ للرسائل في خضم ذلك التحول، أن تحدث الأثر المباشر والاستجابة الفورية - لو أنها انبرت لتحقيق برنامج اجتماعي أو سياسي على نحو ميداني نفعي - لكن الرسائل شقت طريقها بعيدا عن المنفعة الشخصية والحسابات الذاتية .. إذ اختارت طريق المصالحة مع التاريخ..

لقد شاءت أن ترسي أسس مشروع حضاري لا يناط بهمة فرد أو جيل أو حقبة، ولكنه مشروع يسترسل في الزمن، ويمضي على هدي السماء، لا يتصادم مع طبيعة الارتقاء الذي جعله الله سنة الوجود، وخاصية انسانية يتأهل بها الكائن البشري لمهمة الاستخلاف..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت