وإن شاء الناس أن يجعلوا للنورسي مشهدا ومزارا، أو لنقل روضة يرتادونها لإحياء ذكراه - هو الذي غيب البغاة قبره، مخافة أن يضحى مثابة للانبعاث والحياة - فلا أزيد من أن يجلسوا إلى رسائله ليتمثل لهم حيا، راعدا، حليما، مستميتا في تأدية نضاله الروحي واعتكافه القلبي ومنازلته الحضارية، حمية للمسلمين وانتصارا للاسلام..
ولو أن النورسي شكل حزبا - بدل الرسائل -لعرت الحزب، حتما، أسباب الهرم والتفكك، ولظل مصيره مناطا بالتابعين ومن سيتداولون المقادة، ولبهتت وجاهته مهما كانت حظوظ نجاحه الأولى أو البعدية.. ولشاهت أو حالت صورة الزعيم وتقلصت مساحة اشعاعه برحيله .
فالأجيال لا تصمد على الثوابت إلا إذا كان لتلك الثوابت الخاصية الروحية المتعالية والمتسامية عن النظرة المرحلية الضيقة وعن رهانات النشأة الأولى..
لكن النورسي أصّل منزلة بقائية، لا ينوب فيها عنه ممثل.. منزلة أقامت دعائمها على الإيمان والإئتمار بأحكام الله، ومحاورة القرآن بخلوص، وتشكيل صورة الراهن والمستقبل بمنظار القرآن، فظفر بالأبدية وبالاستمرار في الحياة، وبالأجر والثواب في الآخرة..
لقد أعطى النورسي ترجمة مثلى لمفهوم المثقف العضوي.. إذ جعل مسافة بينه وبين الكم البشري الذين كان أمرهم يهمه.. ليكون بعيدا عن السير بمنطق المناورة والتودد والطمع في إقامة برجية الجاه الكاذبة..
لقد أعاد الترتيب إلى حظيرة العقل المسلم، وعمل بهمة ومصداقية على تجديد مرافقها الرثة، وأرسى من الأسباب الروحية ما يهيئها حقا لمعمار مدني مستقبلي قائم على التحدي ومجاوزة الذات المتهالكة..
لقد أيقظ الضمائر، وقطع خط الرجعة على البيئة الاسلامية لئلا تعاود سكونيتها الكهفية التي رانت عليها طيلة الآماد.. إذ هيأ الظروف لشبوب روحي، نوراني، متدرج، ولكنه وثيق، وعارم العواقب..