الصفحة 1087 من 3036

وفي هذا السياق بالذات تدخل قراءته لذلك المستوى الغيبي الوارد في المأثور الخبري الشرعي، إذ هو تثوير عقلي وإعادة استزراع مرَشَّدة للأرض بمغارس جديدة، متخلصة من ثقافة الزور..

فعنايته بذلك القطاع من التراث الديني، إنما تعكس رؤية كان مطمحها تقليب الأوضاع الرميمية، وتحريك السواكن، وغرس الآمال..

ومما لا شك فيه أن أخصب مرحلة إرهاصية لما بنى النورسي وشاد، كانت المرحلة السياسية التي طابقت في بعض تعييناتها هوية سعيد القديم، فخروجه عن المضمار السياسي لم يفض به إلى ارتياد ساحة العزاء والغبن، بل جعله يخرج عن دائرة المحايث التاريخي، ليعاين صفحة القابل والآتي.

لقد حشد الجهد العميم نحو بناء ورسم خريطة المستقبل. وتساوق ذلك المسعى الجبار عنده مع تباشير انبثقت في روحه ،حتى تهيأ له معها أن الإشراقة على الأبواب .

لقد استقرأ تباشير عدة، كانت حرارة الإيمان تجعله منها قاب قوسين أو أدنى..

ومن غير شك أن حديثه التنبئ عن قرب وحدة العرب، إنما كان صدى لتلك التهليلة التي كانت تفعمه وهو يكابد عناء واقع عبوس قمطرير.. أم أن ذلك كان منه ضربا من إملاء الرغبة والوحي للناس بما ينبغي أن يكونوا عليه؟.

إن ذلك الأمل - شأنه شأن آمال أخرى، طمح النورسي أن يلمسها وينحني شكرا لله على تحققها - لم يتحقق في التوقيت الذي قدره لها النورسي، ولكن حصولها أمر لا مناص منه ..

وكل ذلك لا يعني أن ما حلم به النورسي لم يكن إلا فورة احتدام شعوري لوحت أمامه بسراب كاذب ولا شيء غير ذلك..

ذلك لأن النورسي كان في تنبؤاته وتقديراته المستقبلية يستلهم النتائج والصيرورات من منطق كوني وقدري سطره الخالق القدير، وكفل له من الأسباب ما يجعل التكذيب به هو عين السفاهة ..

لقد جعل من منهج الاستضاءة وقراءة الواقع تحت ذبالة الأخبار والوقائع الغيبية المأثورة ،سبيلا إلى الإعتراض على مجريات الردة التي عاشها المجتمع في عصره وهب النورسي يطفئ بوائقها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت