فإسقاط الفحوى الخبري على وقائع عصره كان وسيلة مثلى في وصم الارتكاسات بشنيع الإدانة .. فضلا عن أن ذلك كان أسلوبا مفيدا على صعيد إستحداث تعليمية فاعلة ومكونة..
لقد كان يدشن صرح معرفة حيوية سلخت عنها - وإلى الأبد- ثوب الخرافة، واسترجعت حلتها العقلية البهية المنسجمة مع بهاء الاسلام..
إن ذلك اللون من التثمير المعرفي كان يشكل بحق آلية تعليمية وتثويرية وتحسيسية فعالة في يده.. قربت الأجيال إلى الواقع وإلى تثمين العلم، بعد أن كانت ثقافة الانحدار تغيبهم وتركنهم خارج التاريخ..
فضلا عن أن مسعاه في ما تأول به كثيرا من المسائل النصية، إنما كان تَحْيِينِيًا. فعمله لم يكن برجيا تهويميا، ولكنه كان من الجسامة بما لا يتصور..
لقد كان الرهان معقودا على مطمح صياغة الانسان المسلم الجديد.. وإخراجه من الحضيض..
فحتى المرفق الصوفي حلحلته تعاليم النورسي حين أنصفته فجعلته مثابة وشاهدا على قدرة الروح المسلمة في التنظيم والترابط وإدارة الواقع بالوسائل البسيطة والمتوفرة..
إنه ضرب من العقلنة العملية التي كان النورسي - من خلال مواقف التقويم - يوعز للأمة أن تأخذ بها منهجا في حياتها.. وفي مقابل هذا التنويه، راح يجرد المنحى التصوفي من القدرة على إحداث الانبعاث العصري، وإن نوَّه بمردوديته في مضمار المحافظة وضمان البقاء..
وكانت قراءته لفكرة المهدي على حصافة لا تمارى، إذ ربطها بالتجدد الحاصل للأمة على يد الأفراد من جهة، وأناط هذا التجدد بالجماعات من جهة ثانية، مستبقيا الصون للخبر، مصدقا به على أكمل ما يكون التصديق..
وإنه لرشاد أن تتجدد المفاهيم والقناعات التي ظلت تقعد بالأمة وتشدها إلى واقع الاستكانة والترقب، فتأخذ هذا الوجه الإدراكي الذي يدخل الأمة في غمار عملية الوعي بالذات ومواجهة التبعات..