فهرس الكتاب
قَلْبُكَ كُلُّكَ أيها الإنسان .. وكُلُّكَ طَوْعَ قلبك .. وكلك وقلبك يعتصر أحدهما نفسه في الآخر .. إلا أن قلبك يظل العرش الذي يُظِلُّكَ عندما تتخلى عنك ظِلالُ الآفلات الفانيات من الأشياء التي لا جدوى من تعلقك بها .. فإذا ما انْخَلَعتَ عنها، أو انخلعَتْ هي عنك وصلت إلى الكشف الماورائي الذي يحجب عنك عوالم الغيب بعروشها، وعندئذ سترى أن ما بين عرش الرحمن وقلبك نسبة ضئيلة من العرشية تُظِلُّ وجُوْدَكَ الذاتي كما يُظَلُّ عرشُ الرحمن العالمَ .. فإذا ما بارحتْ روحُكَ مسكنَها الطيني، وأشرفَتْ على العالم من فوق فسترى الظاهر مرآةً للباطن، والباطنَ مرآةً للظاهر، والملكَ ظِلَّ الملكوت، والملكوتَ ظِلَّ المُلْكِ، وأن اسميه تعالى ( الظاهر - والباطن ) يعملان في الخلق سوية بلا حدود بينهما، فإذا الظاهر باطن، والباطن ظاهر في علم الله تعالى الكلي.
ويبقى ومض العقل مسبارًا ممدودًا يَتَحسَّسُ خبايا البواطن في الأكوان والمكونات، ليزداد معرفة ويَخْصُبُ إدراكًا، وإذا كان لهذا العقل قدرة نسبية على تفسير المجردات إلا أنه أعجز ما يكون عن تفسير نفسه، لأن الومضة و القدحة الآتية من النور الكلي لا يقدر على تفسيرها إلا النور الكلي نفسه، فسبحان من بيده عرش القلوب والعقول، والملك والملكوت. والنورسي يلامس هذه المعاني في القطعة الأدبية الآتية حيث يقول !