الصفحة 1876 من 3036

يشخص النورسي بموضوعية بصيرة أضرار الإعلام وما يسببه من توالد خطير على صعيد الآثام والمقترفات ، فوسائط البث الأثيري السمعي في زمنه -أول هذا القرن - قد باتت تعمل على تكبير آثام البشر، إذ أن اللفظة الواحدة أو السيئة الواحدة التي تصدر عن الفرد ستضاعف منها الوسائل البثية بما لا حصر له من المرات، مما سيتلقفه العدد الذي لا يحصى من المتلقين ، فتلك الوسائط البثية كانت - من ثمة - بمثابة آلاف الآلاف من الألسنة ، وليست لسانا واحدا، اعتبارا للنطاق الواسع من الجمهور الذي كانت المادة المذاعة تنتهي إليه وتفاعله بمحمولها الإعلامي السلبي . فوسيط مثل جهاز الراديو - وقد كان رأس الوسائل الإعلامية عندما قوم النورسي خطورة الإعلام في مطلع هذا القرن - مهيأ لأن يتميز بدوره التنويري المفيد، لولا أن استخدام الإنسان له قد جنح به في طريق الإذاية والضرر، عندما اتخذه وسيلة تلهية ماجنة وتسفيه خلقي وتحلل من القيم..

لقد تمثل النورسي للراديو - وهو بتلك الحال التخريبية التي انحرفت به عن طبيعته البناءة - صورة الكائن الشائه ذي الألسن التي لا حد لها ولا عد ، والتي تنبري في ذات الموقف إلى نشر أذاها على الأسماع من غير ما سبيل لإلجامها أو كبحها، لأنها منوطة بإرادة تدميرية عاتية وغير محاسبة ولا سبيل إلى إلجامها، إرادة الإنسان المادي المنجرف وراء الأطماع والنزوات.

لقد تحدث النورسي عن ظاهرة استشراء الشر بواسطة الوسائل الاعلامية المعاصرة ، وذلك في معرض تأويله لبعض ما جاء في الأثر من أنه في آخر الزمان ستعم ظاهرة تضخم ذنوب الفرد . لقد هداه تفكيره في هذا المسألة - ذات الوجه الظاهري المحال - إلى أن الخطيئة الواحدة الصادرة عن الفرد ، عندما تتوسل إلى مرماها الخبيث بالوسيط الإعلامي المعاصر ، فإنها تسلك - فعلا - سبيل التضخم والاستشراء والذيوع . يقول النورسي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت