فهرس الكتاب
"في أحد الأيام، وكان الوقت صيفًا، خرج الأستاذ من بيته متوجهًا إلى الجبل كعادته.. (1) كان الجو صحوا والشمس مشرقة وما إن وصل الأستاذ إلى قمة الجبل حتى تلبدت السماء بالغيوم السوداء منذرة باقتراب عاصفة.. وفعلًا ما لبثت السماء أن أرعدت وأبرقت وبدأت الأمطار تسقط بغزارة.."
كان الأستاذ وحيدًا على قمة الجبل ليس له من ملجأ يتقي فيه سيل المطر المنهمر سوى الأشجار التي لم تكن هي الأخرى كافية لتمنع عنه البلل.. وبعد مدة ليست بالقصيرة خفت شدة المطر واخذ ينزل رذاذًا فانتهز الفرصة وقفل راجعًا إلى البلدة وقد تبلل من رأسه إلى أخمص قدميه، وفي الطريق تمزق حذاؤه فدخل البلدة وهو يحمل حذاءه بيده ويغوص في الطين بجواربه الصوفية البيضاء..
وهناك بالقرب من نبع الماء كان جمع من أهالي (بارلا) مجتمعين يتحدثون.. شاهدوا هذا المنظر المؤثر.. منظر العالم الجليل المهيب المنفي عن موطنه.. الوحيد.. المقاطع من قبل الجميع.. وهو يحمل حذاءه الممزق بيده.. ويغوص في الطين بجواربه وقد تلطخت أطراف ثيابه بالطين.. خيّم سكون ثقيل على الجميع وتجاذبت الكثيرين عاطفتان متباينتان عاطفة الإسراع لمد يد المساعدة إليه، وعاطفة الخوف من عيون السلطة المترصدة لكل حركة من حركاته. وأخيرًا يندفع من بين الجميع شخص اسمه"سليمان"ويصل إليه حيث يأخذ الحذاء من يده ويغسله في الحوض ثم يرافقه حتى منزله ويصعد معه إلى غرفته" (2) . ويصبح (سليمان) هذا أول صديق له ويتتلمذ على يديه ويقوم بخدمته ثماني سنوات في بارلا."
* بريد النور
(1) المقصود جبل"جام"القريب لبارلا والمكسو بأشجار الصنوبر.
(2) كان مثالًا للصدق والوفاء والإخلاص، ظل متصفًا بهذه المثل إلى أن توفاه الله في 6/ مايس/ 1965، يذكره الأستاذ النورسي في رسائل النور ولاسيما (ملحق بارلا) بتقدير واعجاب. رحمه الله رحمة واسعة - Bilinmeyen Taraflariyle 277