الصفحة 2487 من 3036

و"النورسي"روح عظيم غائص في فيض من الحب الإلهي الأبدي، وفي الوقت نفسه مترعٌ بشجن حزين من شعور غريب بالتقصير في عبوديته لله تعالى، فعاش حياته بين رجاء وخوف، يسيطران عليه، ويوجهان حركاته وسكناته، ويقودان فكره وقلمه، ويتركان آثارهما على تهجداته وعباداته وتسبيحاته، فقارئ رسائله يتنسم في أجوائها نفحات كنفحات روض عاطر، غير أنه ينتابه شعور بأنه إزاء إنسان حزين يكتم حزنه، وخزين الآم يخفى آلامه، وموطن أشجان يستر أشجانه، ومع هذا يلمس من خلال السطور شخصية رجل قوي الروح، شديد القلب، صلب العود، قادر على الارتفاع فوق آلام العالم بأسره، وأوجاع البشرية جمعاء، إذا اقتضت ذلك خدمة الإيمان والقرآن اللّذين أوقف حياته ووجوده عليهما. وعظمة"النورسي"من عظمة ما كان يشغل ذهنه من اهتمامات، ويؤرقه من أفكار، فذهنه مشغول بالإنسان خليفة الله في أرضه، وأبدع مصنوعاته، وأكرم خليقته، وجوهر كونه، وموئل أسمائه الحسنى وصفاته، وهي المشاغل نفسها التي كانت تشغل أذهان الأنبياء والرسل وتؤرق تفكيرهم، فالآخرة هي نقطة المركز في أديانهم، والمحور الذي تدور عليه دعوتهم وتعاليمهم، والحصول على الخلود في الآخرة مقرونةً بالرضى الإلهي، هو مطلب أذكارهم وتضرعاتهم وأدعيتهم.

وفي معرض التأسي بالأنبياء السابقين خاطب القرآن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائلًا: (واذْكُرْ عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار) (ص:45) أي: اذكر يا محمد هؤلاء الأنبياء الأخيار وتأسَّ بهم، الذين جمعوا بين القوة في العبادة والبصائر في الدين.

قال الطبري: أي: أهل القوة في عبادة الله، وأهل العقول المبصرة، (إنَّا أخلصناهم بخالِصَةٍ ذكرى الدار) (ص:46) أي: خصصناهم بِخَصْلَةٍ عظيمة الشأن، هي عدم التفاتهم إلى الدنيا، وتذكرهم للدار الباقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت